الجنرلات و الجماعة الإسلامية للقتال 1

 

 

 

الإهداء

إلى أمي التي لم أرها منذ شهر سبتمبر 1993، والتي أخشى ألا أراها أبدا بسبب الجنرالات المجرمين الذين يحكمون الجزائر اليوم! إلى روح الجنرال فضيل سعيدي والعقيد عاشور زهراوي، وكل من الرائدين فاروق بومرداس، وجابر بن يمينة ضحايا النذالة والغدر، وافتراء الجنرالات المفسدين والمفترسين! إلى عبد الحي بليردوخ الصحفي الشجاع صاحب القلم الجريء الذي ضحى بنفسه لفضح ومحاربة محتالي الجمهورية و أشرارها.

إلى السيد محمود خليلي المناضل الصلب المقدام المدافع عن حقوق الإنسان الذي طالما تعرض لضغط وتعسف أولئك الذين اغتصبوا السلطة في الجزائر.

إلى كل المدنيين والعسكريين الجزائريين والأجانب الذين ذهبوا ضحية مؤامرات الجنرالات ضد مبادئ ورموز ثورة أول نوفمبر 1954.

تمـهيـــد

"العلاقة القوية " بين جهاز الأمن العسكري(أ. ع/SM) الجزائري و جهاز المخابرات الفرنسي (ج. م. ف/DST)

ذات يوم من شهر سبتمبر سنة 1995، أفتح باب غرفة تقع في الطابق الأول من فندق "رينال" وهو نزل متواضع يقع في وسط مدينة بون، لألتقي من جديد برئيسي السابق الجنرال إسماعيل العماري المعروف بـ (إسماعين) الذي قدم متخفيا، وهو الرقم الثاني في جهاز المخابرات الجزائرية المعروف بالـ(أ. ع/SM).

إنه قصير القامة ذو وجه بزوايا حادة، وعينان سوداوان يعلوهما صلع متقدم، بدا لي مجرد أن رأيته أنه مصمم على اتخاذ قرار خطير، وقد كان بجانبه زميلاي الملحقان العسكريان السابقان بسفارة الجزائر بألمانيا، قدما هما كذلك خصيصا من الجزائر، وهما العقيدان رشيد لعلالي، وعلي بن جده المكنى بـ "إسماعين الصغير" وكلاهما ضابطان في الأمن معروفان بإخلاصهما الكبير، وولائهما للجنرال إسماعين.

من الوهلة الأولى وبدون مقدمة فاتحني هذا الأخير بموضوع ذلك الاجتماع "السري" المثير للاستغراب، طالبا مني تدبير عملية اغتيال معارضين إسلاميين جزائريين لاجئين في ألمانيا، هما السيدان: رابح كبير وعبد القادر صحراوي. وهما شخصيتان عموميتان ووجهان معروفان، صحيح أنهما معارضان للنظام الحاكم في الجزائر، ولكنهما لا يمثلان أي خطر يمكن أن يوضع في خانة ما يوصف "بالإرهاب" وأمام إبداء اندهاشي من جدوى القيام بتلك العملية، أضاف إسماعين قوله :(ربما كتبرير لإقناعي) "يجب تصفية هؤلاء الأوغاد الذين يغرقون الجزائر في الدم والنار ويعوقون حصولنا على المساندة الدولية.

إن شبح الأصولية، وقيام جمهورية إسلامية في الجزائر من شأنه أن يزعزع الاستقرار في البلدان المغاربية قاطبة كما من شأنه –أيضا- أن يمثل قاعدة صلبة ومنطلقا للهجوم على الغرب. ويبدو أن ذلك لم يقنع شركاءنا الأوروبيين ولذلك يجب إحداث هزة قوية توقظ ضمائرهم، مثلما كان الحال مع الفرنسيين.

" قلت: ماذا لو حدث طارئ؟ قال: اطمئن لن يلحقك أي أذى لو يطردونك من هنا سأعينك في منصب آخر قلت: الدولة هنا دولة قانون وليس عندكم أي حظ للنجاح وزيادة على ذلك لا يمكنكم الاعتماد "مثلما هو الحال في فرنسا" على أصدقائكم في "ج. م.ف/DST". أو وزارة الداخلية ليهبوا لمساعدتكم عند الحاجة، إن هنا في ألمانيا لا يوجد (باسكوا Pasqua) "وزير الداخلية" ولا (بوني Bonnet) "جهاز مكافحة التجسس" ولا(باندرو Pandraud) أو (مارشياني Marchiani). قطعا إن رفضي هذا أجهض العملية ولكنه في الوقت ذاته مثل القطيعة النهائية و"الطلاق البائن" مع أصحاب القرار في الجزائر.

وهو ما دفعني لاتخاذ قرار الانسحاب من الجيش بعد ذلك ببضعة أشهر. ويجدر القول هاهنا أنه في الوقت الذي كنا نعقد ذلك الاجتماع في مدينة بون كانت فرنسا تهتز منذ أسابيع بموجة من العمليات المنسوبة إلى الإسلاميين، والتي كانت قد أسفرت عن عدد من القتلى وعشرات الجرحى، ورغم عدم توفري حيينها عن معلومات دقيقة وقاطعة.

فإني أشك في أن للجماعات الإسلامية "المُستغلة أو المَدسوسة" منذ زمان من طرف نظيري في الـ(أ.ع/SM) بباريس "العقيد حبيب" صلة بتلك العمليات!! إن الـ(أ.ع/SM) في فرنسا هو بالفعل أقوى في هذا البلد منه في ألمانيا كما أن له فيها تقاليد قديمة في مراقبة الجالية الجزائرية المهاجرة بالموافقة الصريحة للحكومة الفرنسية أيا كان لونها السياسي وخاصة من خلال مكاتب وفروع ودادية الجزائريين في أروبا، وكذلك القنصليات الثماني عشرة الموزعة عبر التراب الفرنسي، والتي تضطلع بمهمة تأطير أفراد الجالية في مجموع النواحي داخل فرنسا.

لقد استطاع الـ(أ.ع/SM) دائما أن يعتمد(في إطار أقل رسمية) على العديد من العملاء الذين يوجدون أساسـا في مختلف مكاتب وممثلات الخطوط الجوية الجزائرية، وكذلك في الشركة الوطنية للملاحة البحرية (ش.و.م.ب/SM)، والمركز الثقافي الجزائري بباريس، والوكالة الجزائرية للخدمات الإعلامية، وفي مسجد باريس كذلك، كما يعتمد الـ(أ.ع/SM) في فرنسا أيضا على شبكة واسعة من الأشخاص ومن أصحاب المهن والوظائف المتنوعة (محامين، مسيري فنادق، أصحاب حانات، سائقي سيارات الأجرة في كبريات المدن الفرنسية، كما يعتمد الجهاز أيضا على بعض "تجار الشنطة" من الذين يهربون بعض البضائع والمواد الممنوعة.

مقابل تقديم تسهيلات لهم لدى مصالح الجمارك الجزائري ابتداء من سنة 1993 كان يقدر عدد ضباط وضباط صف الـ(أ.ع/SM) ومحافظي الشرطة في فرنسا (وبدون احتمال الوقوع في الخطأ) بمائة فرد عامل (ثم ما لبث هذا العدد أن أخذ في الارتفاع بعد ذلك بكيفية محسوسة)، ويضاف إلى هذا الرقم بضع مئات من المتعاونين والمخبرين.

وبهذا لدينا فكرة عن المراقبة الممارسة على أفراد الجالية الجزائرية الموجودين على التراب الوطني الفرنسي، وكذلك مستوى تعاون الدولة الفرنسية ذاتها في هذا الخصوص، وهو بلا شك من الحالات النادرة في العالم التي يلاحظ فيها قبول دولة بوجود شرطة أجنبية (بمثل هذا العدد) على ترابها الوطني وبكيفية دائمة!! ويمكن بالأحرى الحديث هنا ليس عن غض الطرف والقبول فحسب، بل على التواطؤ الصريح والكامل الذي كان محوره الأساسي هو التعاون والتقارب الشديد بين جهاز المخابرات الجزائري ونظيره الفرنسي، ولقد أمتنت هذه العلاقة بصفة خاصة ابتداء من منتصف الثمانينيات وهي الفترة التي قدم فيها ضباط من الـ(أ.ع/SM) (ومن بينهم "إسماعيل العماري") خدمات جليلة متعددة لنظرائهم الفرنسيين، وخاصة في قضية الرهائن الفرنسيين المحتجزين في لبنان، وكذلك أثناء العمليات التي هزت باريس سنة 1986، وهو الأمر الذي أكده بعد ذلك المدير السابق للمخابرات الفرنسية السيد " إيف بوني " في مذكراته 1التي وصف فيها هذه "العلاقة القوية" التي تربط جهاز الأمن الجزائري بمصالح الأمن الفرنسية بقوله:" إن فرنسا جد محظوظة لأنها تستطيع الاعتماد على شريك كهذا، كفء، وعلى دراية تامة بواقع الشرق الأوسط.

إن مرشدنا في القضايا العربية هي الجزائر" 2 ويضيف قائلا:" لم يتكهن أحد بصعود التيار الإسلامي، ولا بالخطر الكبير الذي سيمثله بالنسبة للجزائر بل ولفرنسا أيضا، ولا يستطيع أحد أن يقدر كم سيتعين علينا أن نكون جد متعاونين[.] كنا في المرحلة الأولى نتبادل الانطباعات والعموميات، ثم سرعان ما أصبح الحوار بيننا "عمليا" [.] وبالنسبة لهم لدينا بالمقابل معلومات دقيقة وموثوق بها عن معارضيهم.

" 3 "حوار عملي" إن هذه العبارة في لغة مصالح الأمن تعني القيام بعمليات مشتركة بل حتى تدبير مشترك "لعمليات دنيئة" [وبالفعل فابتداء من مطلع سنة 1992 والانقلاب الذي وقع في الجزائر، انتقل تعاون الجهازين نوعيا من مستوى "القضايا العربية" إلى الإشراف المشترك على الرقابة واستغلال عنف الإسلاميين الجزائريين في فرنسا، كما سيظهر ذلك في بعض المحطات التي سأوردها في هذا الكتاب (أنظر الفصل التاسع)]، لقد كان إسماعيل العماري الرجل الأساسي في هذه الشراكة إلى درجة أن علاقته بمدير جهاز الأمن الفرنسي كانت مباشرة وما تزال قائمة على أشدها حتى لحظة كتابة هذه السطور! وعلى مستواي فإني أقدم هنا شهادة لإثبات متانة هذه العلاقة القائمة بين الجهازين : فأذكر أنني عندما كنت في منصبي في بون (ألمانيا) كثيرا ما سافرت إلى فرنسا بدون تأشيرة مع العلم بأنها كانت إجبارية على الجزائريين، وللتمكن من الحصول على الإعفاء منها كان يكفي لنظيري في باريس العقيد "لحبيب" أن يخطر المصالح المعنية كي تمنح لي رخصة خاصة من شرطة الحدود أتمكن بموجبها من الإقامة على التراب الفرنسي.

وعند المغادرة أعيد الوثيقة في المطار ليختفي كل أثر لإقامتي على الأرض الفرنسية. ! وبالتأكيد فإن هذه "العلاقة المتينة والمتميزة" بين المصالح الجزائرية والفرنسية لا تعني بالضرورة أن هذه الأخيرة كانت على علم بأن المصالح الجزائرية سيصل بها الأمر إلى حد الإقدام على تفجير القنابل في باريس، لإرغام المسؤولين السياسيين الفرنسيين على التأييد بدون تحفظ لسياسة "الاستئصال" التي يمارسها جنرالات الجزائر ضد الإسلاميين على حساب عشرات الآلاف من القتلى منذ سنة 1992.

لكن، ومهما يكن من أمر فإن هذه العلاقة الخاصة قد لعبت بدون شك دورا أساسيا في هذه الحرب حتى وإن كانت المسؤولية الأولى تقع - قطعا- على رؤسائي السابقين الذين لم يترددوا في استغلالها إلى درجة تتجاوز في الحقيقة العنف الإسلامي إلى ما وراء ذلك، من تنفيذ مخططاتهم الجهنمية، وتحقيق أغراضهم الدنيئة، وإشباع نهمهم ونيل مآربهم في الثأر من كل ما يمت إلى الوطن وثوابته وقيمه الثورية بصلة وذلك هو الموضوع الأساسي الذي يتمحور حوله هذا الكتاب.

مـقـدمــة "يوجد نوعان من التاريخ: تاريخ رسمي، كاذب وهو التاريخ الذي لُقنا إياه في المدارس، وتاريخ سري، يتعين علينا البحث عنه وفيه تكمن الأسباب الحقيقية للأحداث، وهو تاريخ مخجل حقا" هونري دوبلزاك Honoré DE BALZAC "الأوهام الضائعة" "كيف يمكننا إدراك هذا المفهوم البوليسي المجنون لحالة التعفن العام، والفوضى العارمة التي تجعل بعض الضباط يفقدون رشدهم تدريجيا في تدهور أخلاقي ومهني من جراء اللجوء الآلي إلى التعذيب والقتل وينحطون إلى هذا المستوى اللامعقول من القسوة!؟ (.) وكلما غاص هؤلاء في هذه الهوة من الوحشية والخساسة كلما تدهورت قدراتهم العسكرية المحضة (.) وكلما تدنت إمكانياتهم في المواجهة الفعلية لعدو محدد عل أرض معركة حقيقية، وأمام جنود منظمين مُحكمي القيادة، ويطلقون نيرانا حقيقية" العقيد برودانسيو غارسيا Colonel Prudencio GARCIA 4 أنا ضابط سام في جهاز المخابرات بالجيش الوطني الشعبي الجزائري (ج.و.ش/ANP)، شاركت في الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الشاذلي بن جديد في شهر يناير 1992، كان لي دور في الحرب المعلنة ضد الشبكات المسلحة للأصوليين الإسلاميين في بداية التسعينيات، لأنني كنت أرى حينذاك أنه من واجبي المساهمة في عملية إنقاذ الوطن من الخطر الذي كان يتهدده.

غير أن تطورات الأحداث بعد ذلك أظهرت لي بكل وضوح أني أقوم بدور المتواطئ مع جلادي الشعب الجزائري، كما أظهرت لي أيضا أنني لم أكن في حقيقة الأمر أشارك في الدفاع عن مصالح الشعب الجزائري كما كنت أظن، وإنما كنت أدافع عن مصالح عصابة من الأشرار والمفسدين في الأرض، ليس لأعضائها همٌ سوى الحلم بالاستحواذ وبكل الوسائل (هدم،نهب،كذب) على مقدرات البلاد، وفرض إرادتهم التي لا تعدو كونها شكلا منحرفا وملتويا من أشكال الحكم الشمولي! لقد حاولت في بداية الأمر أن أستدل بالعقل، وأقنع رؤسائي بضرورة تغيير تلك الاستراتيجية التي تسير في الاتجاه المتعارض طولا وعرضا مع طموحات ومصالح الشعب الجزائري والتي لا يمكنها في النهاية إلا أن تسفر عن نتائج وخيمة على البلاد والعباد، ولما لم أجد أية أذن صاغية لرأيي اتخذت موقفا مغايرا منذ 1992 وابتداء من سنة 1996 كنت من بين أوائل الضباط السامين في (ج.و.ش/ANP) الذين رفضوا مسايرة هذا الانحراف متخذا قراري الحاسم والنهائي بترك العمل في مؤسسة أصبحت أداة قمع بين الأيادي الإجرامية لأعداء الشعب الجزائري الأبي.

لماذا الانسحاب من الجيش؟ شعورا مني بواجب إظهار الحقيقة وتكريما لضحايا هذه الحرب التي لا أساس لها، قررت أن أفضح وأندد بكل أولئك الفاعلين الحقيقيين صانعي هذه المأساة الطاحنة والفظيعة التي يعيشها وطني! إنها "حرب قذرة" بكل المقاييس قادها جنرالات عديمو الكفاءة متعطشون للسلطة، يتوارون عن الأنظار ولا يظهرون على المشهد الأمامي لإخفاء رداءتهم وبناء سلطتهم في الظلام على أشلاء أبناء وطنهم.

إن كل ما دونته هنا هو وقائع حقيقية أو تصريحات لأطراف مختلفة ذات صلة بهذه الأحداث، والتي كنت شاهدا مباشرا عليها من خلال القيام بمهامي الوظيفية أثناء حدوثها، لقد حرصت في ذكر هذه المعلومات على توخي أقصى درجات الدقة والتوثيق فيها، بحيث لا تترك مجالا يتسرب منه أدنى شك في مدى صحتها ومصداقيتها، وما آمل من وراء ذلك إلا أن يساهم هذا الكتاب في إظهار الحقيقة التاريخية وإرجاعها إلى نصابها ناصعة دون أن تشوبها أية شائبة، إحقاقا للحق وإنصافا للتاريخ الحقيقي الذي لا ينتظر أن يكتبه أو يستسيغ سماعه المنحرفون من مغتصبي الأوطان وجلادي الشعوب.

كما آمل في الحين ذاته أن يتمكن هذا العمل الموثق من أن يكون من ضمن وثائق الإثبات في محكمة محايدة ومنصفة ستقام يوما لمحاكمة هؤلاء المسؤولين المجرمين المتسببين في هذه المأساة الفظيعة! لقد انخرطت في صفوف (ج.و.ش/ANP) في شهر يوليو من سنة 1974، وبعد حصولي على شهادة مهندس في الكيمياء الحيوية سنة 1977 اجتزت دورة تدريبية لتكوين الضباط (من شهر أكتوبر 1978 إلى جوان 1979) وبعد تخرجي (وكنت الثاني على دفعتي) عُينت مدرس في مدرسة الأمن العسكري (جهاز المخابرات التابع للجيش والمعروف باسم "أ.

ع/SM") الواقعة ببني مسوس (في ضواحي العاصمة)، وبعدها شغلت عدة مناصب دائما في الـ(أ.ع/SM)، في قسنطينة ثم في ڤالمة، فتيبازة. بعدها (من مارس 1990 إلى 1992) عينت في الجزائر العاصمة كمسؤول عن مصلحة البحث والتحليل (م.ب.ت/SRA) في إدارة مكافحة التجسس، وبالموازاة مع هذه الوظيفة الأساسية كنت أعمل مدربا في مدرسة ضباط الـ(أ.ع/SM) ببني مسوس، وكنت أيضا عضوا في إدارة حالة الحصار المعلنة في شهر جوان سنة 1991 ثم بعد ذلك في إدارة حالة الطوارئ ابتداء من شهر يناير 1992(حتى وإن لم يعلن ذلك رسميا إلا في منتصف شهر فبراير كما هو معلوم)، وفي صائفة 1992 ونتيجة حصول عدم تفاهم بيني وبين رؤسائي حول الطريقة التي مورست بها عمليات محاربة العنف المسلح طلبت إعفائي من مهامي الوظيفية غير أن طلبي قوبل بالرفض القاطع، وفي ظروف سأعود إلى ذكرها بالتفصيل فيما بعد قبلت أخيرا تعييني في سفارة الجزائر بألمانيا، حيث شغلت من شهر سبتمبر 1992 إلى غاية شهر يناير 1996 منصب الملحق العسكري، وفي نفس الوقت المستشار المسؤول عن الفرع المحلي للـ(أ.ع/SM)، برتبة رائد ثم مقدم.

وبالرغم من الشكوك التي كانت تراودني منذ 1992، فقد كنت مقتنعا بأني أشارك في إنقاذ وطني، ولكنني وفي سنة 1995 زال شكي تماما أمام دلائل قطعية لا يرقى إليها الشك وأدركت المؤامرة التي تحاك ضد الشعب الجزائري. وبدافع من ضميري ومحض إرادتي اتخذت قرارا لا رجعة فيه بالقطيعة النهائية مع النظام القائم، ووضعت نفسي في خدمة الجزائر وليس في خدمة عصابة من اللصوص لا يهمها إلا الدفاع عن مصالحها الخاصة، والمحافظة على امتيازاتها التي لا تعرف الحدود، على حساب كل الأعراف والقيم، العصابة التي لا تتردد من أجل الإبقاء على تلك الأوضاع في إثارة الجزائريين وتحريض بعضهم ضد البعض الآخر، واغتيال الأبرياء للإمساك بقبضة من حديد على الوطن، ورهن مصيره ووضع الأيدي على قدراته السياسية والاقتصادية.

ونتيجة لمواقفي المغايرة التي أبديتها لرؤسائي فيما يتعلق بممارساتهم، تم استدعائي إلى الجزائر العاصمة في 26 يناير 1996. لقد حاول رئيس جهاز الأمن الجنرال محمد مدين المعروف بـ "توفيق" أن "يشتري" سكوتي عارضا علي منصبا ضمن إطارات مؤسسته ومقترحا علي في الوقت ذاته ترشيحي لرتبة عقيد (مع العلم أن اسمي كان في الحقيقة مدرجا على لائحة المرشحين للرتبة في شهر يوليو 1996).

وبحكم تجربتي الطويلة معهم، وخبرتي العميقة بهم كنت أعرف جيدا قيمة تلك الوعود، ولذلك لم أمكث في الجزائر سوى أسبوع واحد، بعد وصولي إليها قي 4 فبراير، وقفلت عائدا إلى ألمانيا في 12 من نفس الشهر عن طريق خط الجزائر بروكسل، لقد كنت أعرف أن بقائي في الجزائر بقبول المنصب الجديد يعني حتما بالنسبة لي إصدار الأوامر لجزائريين لقتل جزائريين آخرين، وفرض المزيد من المعاناة والمآسي والآلام على أفراد الشعب بالاعتقال والإذلال. وهو ما كان يتعارض تعارضا كليا مع قناعتي وضميري، ويتناقض أيضا مع اليمين التي أديتها معاهدا الشهداء الأبرار عند انخراطي في صفوف (ج.و.ش/ANP) على أن أظل ما حييت وفيا لهم ولمبادئهم السامية، كما لم أرد كذلك أن أخون شعارنا الثلاثي الرائع الذي شربناه واقتنعنا به وطبقناه طوال سنوات التكوين والخدمة ألا وهو " الإخلاص، الشجاعة، اليقظة ".

لقد وقفت مليا أمام هذا الوضع وتساءلت عن كيفية تفادي المشاركة في هذه الحرب "المنافية للعقل"؟ هل أقدم استقالتي حسب اقتراح بعض الأصدقاء ؟ إن الإقدام على ذلك لم يكن ممكنا، ذلك أن تقديم الاستقالة أثناء "حالة حرب" سيوضع قطعا في خانة الفعل "الخياني" ويتعرض صاحبه حتما للإعدام.

وكذلك، فإن العديد من الضباط النزهاء ذوي الضمير الحي والحس الوطني والمهني الرفيع من الذين رفضوا التورط في المغامرة قد اغتيلوا جميعهم في ظروف غامضة: وفي غياب إجراء أي تحقيق جدي فقد كان اغتيالهم دائما ينسب إلى الجماعة الإسلامية المسلحة (ج.إ.م/GIA) ويعلق على شماعتها الجاهزة المعدة لهذا الغرض!! في حين أن كل عمليات التصفية تلك كانت في الحقيقة مدبرة ومخططة من طرف رؤسائهم الأنذال، تحت ذريعة امتناع هؤلاء الضباط عن تطبيق تعليماتهم الإجرامية أو أنهم من المحتمل أن يمتنعوا.

فكرت كثيرا في كيفية التصدي لانحراف هذه العصابة المجرمة فلم أجد أمامي أي خيار سوى الهجران البائن والانسحاب من الجيش، وترك الجمل بما حمل من أوزار، فاتخذت القرار الحاسم بالإقدام على طلب اللجوء السياسي (وحصلت عليه) في ألمانيا حيث أعيش منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا.

انحراف الإسلاميين بصفتي قد عايشت الأحداث في قلب النظام، أستطيع أن أصرح بأن الحرب الطاحنة التي تمزق بلدي منذ 1992 هي أكثر تعقيدا مما تحاول أن تسمعنا إياه بعض التحاليل القادمة من أروبا، والتي تقدم لنا هذه الحرب باعتبارها صراعا ناشئا عن تعارض بين عسكريين جمهوريين ومتعصبين إسلاميين.

فلهذا السبب أردت أن أساهم في إظهار الحقيقة للتاريخ دون أية مجاملة أو تحيز لهذا الطرف أو ذاك. إني في هذه الشهادة أتهم وأدين قادة الجيش الذين يسيرون ويستغلون العنف الذي تقوم به الجماعات الإسلامية منذ سنوات. قد يعتقد البعض أنني أتخذ موقف الدفاع عن (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) (ج.إ.إ/FIS)، أو عن الإسلاميين، ولذلك أحرص منذ البداية هنا على التوضيح بأني لم أنتسب على الإطلاق، في أي يوم من الأيام إلى أية منظمة سياسية، كما أنه ليس في نيتي على الإطلاق أن أنفي أو أبرر الجرائم الفظيعة التي ارتكبها بعض الإسلاميين، والتي وردت وقائعها مفصلة في العديد من الكتابات، وسواء كان مرتكبو تلك الجرائم أو لم يكونوا مستعملين ومغررا بهم، فإنهم في كل الأحوال مجرمون، ويجب أن يحاكم مرتكبوها يوما لينالوا جزاءهم.

إذا كانت هناك حرب فحتما يوجد هناك طرفان متعارضان ومتصارعان وهذان الطرفان في نظري هما الجنرالات من جهة وقادة (ج.إ.إ/FIS) من جهة أخرى، فلكل منهما دور ومسؤولية في إحداث المأساة الجزائرية الراهنة. بعد الانتصار الذي تحقق للإيديولوجية الإسلامية ابتداء من سنة 1989 أخذ أصحابها يتوقون إلى تجسيد مبادئ وقيم الإسلام محاولين في غالب الأحيان فرض ذلك بالقوة وبالتي هي أخشن، وليس بالإقناع وبالتي هي أحسن. وبالرغم من أن قاعدة هذا الحزب كانت غير متجانسة إلا أن بعض قادة (ج.إ.إ/FIS) شجعوا هذا الانحراف التسلطي، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور تيار متطرف مناهض لأي تقدم أو مسايرة للعصر. وقد طور هذا التيار خطابا معاديا للديمقراطية يتجلى بوضوح في بعض الشعارات المرفوعة آنذاك " الديمقراطية كفر" أو " القانون الوحيد هو القرآن" أو "لا ميثاق لا دستور قال الله قال الرسول" وكان أصحاب هذا الاتجاه يدعون إلى تطبيق الإسلام بالقوة والعنف، كإجبار النساء على ارتداء الحجاب أو إقامة الحدود الشرعية على العصاة والمخالفين.

وكذلك أخذ الضريبة "الثورية" التي تحولت فيما بعد، خلال سنوات الدم، إلى "ضريبة الجهاد"، (إن هذه الفرقة المتطرفة من الإسلاميين هي التي دفعها الـ"أ.ع/SM"، بالوسائل التي سنتحدث عنها فيما بعد، إلى الثورة والمجابهة، مجرجرة معها شبيبة بكاملها إلى حمل السلاح والالتحاق بالجبال واتخاذ لغة العنف وسيلة وحيدة للتخاطب)، ثم ما لبثت الحسابات السياسية لقادة (ج.إ.إ/FIS) وتلاعبات مصالح الـ(أ.ع/SM) واستفزازاتها فيما بعد أن جعلت الحركية المتولدة من هذا الحزب تسلك طريق المواجهة، مما أدى أكثر فأكثر إلى جعل أية فرصة أو إمكانية للتعايش غير ذات موضوع، أو قرار.

لقد حاول الرئيس الشاذلي بن جديد كثيرا أن يحقق نوعا من التوازن بحرصه الشّديـد على تحقيق المصالحة بين أصحاب الاتجاه الديمقراطي (بمن فيهم الموجودون داخل "ج.إ.إ/FIS") والجنرالات "أصحاب القرار" المعادين للإسلاميين في آن واحد، علما أن الإسلاميين وعـدوا بمحاسبة المسؤولين، وكانوا سيتولون أمر المراقبة على المداخيل (التجارة الخارجية، وصادرات البترول والغاز).

وقد كلّـف الرئيس الشاذلي بن جديد تمسكه بموقفه التصالحي هذا، منصبه ذات يوم في 12 فبراير 1992. ابتداء من هذا التاريخ المشؤوم، اتخذ جنرالات الظل من توقيف المسار الانتخابي وإلغاء نتائج دورته الأولى. ذريعة للزج بآلاف الجزائريين في أتون حرب أهلية فظيعة: جنون غير مسبوق يصيب الشباب الذين كانوا محرضين بعضهم ضد البعض الآخر من قبل نظام حكم مكيافيلي، في حين لم يكن هؤلاء الشبان يحلمون جميعهم في حقيقة الأمر إلا بالحرية والعدالة والكرامة! إن الإسلام الثوري أو الحركي لم يبرز إلى الوجود هكذا من العدم. فالبؤس الاجتماعي وتهميش النخب التواقة إلى التقدم ومواكبة العصر وكذلك رفض أي مشروع مجتمع متماسك يسمح بتكوين تركيبة متناسقة تجمع بين القديم والجديد والأصالة والمعاصرة، يضاف إلى ذلك غياب الحرية والديمقراطية، وتفشي ظاهرة الرشوة والفساد في كل مكان وفي مختلف المجالات. هذه العوامل والظروف مجتمعة هي التي أدت خلال الثمانينيات إلى ظهور الحركة الإسلامية في الجزائر.

ومن جهة أخرى وفي سياق جيوسياسي وتحول واسع وعميق للعالم (سقوط جدار برلين، أفول نجم الشيوعية، نهاية الحرب الباردة، وبالتالي نهاية عالم القطبين، وظهور العولمة.) كان بروز الحركة الإسلامية نتيجة منطقية كذلك لتدني مستوى "أصحاب القرار" الرئيسيين الذين لم يرفضوا تسليم المشعل للأجيال اللاحقة فحسب، بل أن فسوق" شبه النخبة" هذه التي تعيش على الريع قد عكس للمجتمع صورة نظام متغطرس تنخره الرشوة، ويشله الإهمال، ويقتله التبذير. لم يدرك هؤلاء المسؤولون أو القادة أن وضع العالم قد انقلب جذريا رأسا على عقب، وأن الإسلام السياسي يفرض نفسه فرضا كبديل للهيمنة الأمريكية منذ انهيار الإمبراطورية الشيوعية. لقد كانوا يريدون مواصلة تسيير الأمور على الطريقة القديمة التي عف عنها الزمن، وتجاوزتها الأحداث.

وهذا ما يبرر عدم الفهم والإدراك في البداية ثم الاندهاش بعد ذلك، وأخيرا المقاومة الشرسة لكل محاولات الإصلاح التي أعقبت "الانفتاح السياسي المراقب" منذ بداية 1989. لقد لاحظت البلدان الأوروبية هذه التحولات دون أن تدرك المراهنات في الواقع، مترددة بين الرضى بما يعد به الانفتاح الديمقراطي وبين التوجس من إمكانية قيام ديكتاتورية إسلامية على أعتاب أروبا. إن احتمال ظهور دولة دينية على النمط الإيراني هو أمر غير وارد فضلا عن أنه غير مقبول كذلك. وهذا كله ما يفسر تخاذل الحكومات الأوروبية، عندما ذهب الجنرالات بعيدا في ممارستهم للقمع والاضطهاد ابتداء من انقلاب 1992. إن هذا الانقلاب قد سار نحو الأسوأ في دعم سلطة الجنرالات وبسط نفوذهم بصفة كلية على البلاد منذ ذاك الوقت، وهؤلاء الجنرالات هم : خالد نزار، العربي بلخير، محمد تواتي، محمد العماري، وشركاء آخرون.

هؤلاء الذين يسمون عادة بعصابة "الفارين من الجيش الفرنسي" (ف.ج.ف/DAF)، حتى إن بعضهم كالجنرال محمد العماري، ومحمد تواتي لم يلتحقوا بمراكز الجيش الوطني خارج الحدود الجزائرية إلا في سنة 1961 أي ببضعة أشهر فقط قبل الاستقلال، ولم يشاركوا قط في أية معركة ضد المحتل الفرنسي داخل الوطن أو خارجه! وبصفة جلية فإن قسما كبيرا من قادة (ج.إ.إ/FIS) قد أخطئوا نتيجة قلة تجربتهم السياسية وانشغالهم في كبح جماح الجناح المتطرف داخل الجبهة الذي غالبا ما كان يُحَرك من طرف جهاز الـ(أ.ع/SM)، وبذلك تكون(ج.إ.إ/FIS) قد شاركت بقسط وافر وبشكل كبير في إعطاء المبرر لجنرالات(ف.ج.ف/DAF)، وتمكينهم من النجاح في مناورتهم للاستئثار بالسلطة وبسط نفوذهم على البلاد والعباد! ابتكار الأطروحة الخارقة للعادة "من يقتل من؟" انطلاقا من المذابح الفظيعة المرتكبة في خريف سنة 1997 بدأ الرأي العام العالمي أخيرا يعير اهتمامه للعديد من الملاحظين خاصة بعض المنظمات غير حكومية لحقوق الإنسان، الصحافيين وخبراء الأزمة الجزائرية الذين كانوا يشكون منذ مدة في تورط قوات الأمن في أعمال العنف المنسوبة للإسلاميين.

ولكن إلى ذلك التاريخ كان هؤلاء المنادون والمستصرخون كمن يؤذن في مالطا! إن تصور قيام قوات تابعة للجيش بارتكاب أو مساعدة من يقوم بارتكاب جرائم مماثلة، هو بكل تأكيد صعب التقبل والتصديق!! خاصة وأن هذه الأفعال قد بلغت في بشاعتها درجة لا يكاد يتصورها المرء فكيف يبلغ الخيال بالإنسان أن يتصور مواطنين بسطاء (بينهم أطفال، نساء وشيوخ طاعنون في السن) يُختطفون، يُشوهون، يُغتصبون، يُقتلون، يُذبحون. بتحريض من أولئك الذين يفترض أن يكونوا حماتهم ومنقذيهم من ذلك ؟ ومع ذلك، كما سنرى، فإن كل المناورات والألاعيب السابقة لأعمال العنف التي قام بها الإسلاميون، والتي كنت شاهدا عليها، كانت مؤشرا مسبقا لهذه الفظائع والشناعات.

فمن المؤكد وبصفة خاصة أنه منذ سنة 1992 حتى سنة 1996، قامت جماعات إسلامية مستقلة بارتكاب جرائم وفظائع مريعة، ولكن القسم الأكبر من الاغتيالات والمذابح الجماعية المنسوبة إلى الإسلاميين منذ سنة 1992، وبصفة أخص منذ سنة 1997 هي في الحقيقة أعمال مباشرة أو غير مباشرة قام بها رجال تابعون نظاميا لهياكل الأجهزة الأمنية!! إن هذا الموضوع هو الذي سأنكب على توضيحه والبرهنة عليه عبر فصول هذا الكتاب، كما أشرت في المقدمة، وذلك بهدف المساهمة في إظهار الحقيقة الخاصة بهذه "العشرية الحمراء" المتميزة بأرقام مفزعة تتمثل في 000 200 قتيل و1200 مفقود وعشرات المراكز للتعذيب (بمقياس "صناعي")، 000 13 معتقل 000 400 لاجئ وأكثر من مليون مُنقل أو نازح.

ونتج عن هذه النكبة التي ضربت اقتصاد البلد إفقار جزء كبير من أفراد الشعب (البطالة مست أكثر من 30 % من الأفراد العاملين. ومن خلال تقديرات بعض المنظمات الدولية غير الحكومية فإن حوالي 15 مليون من أفراد الشعب الجزائري يعيشون تحت عتبة الفقر، وهو أمر متناقض تماما مع واقع بلد بمثل غنى الجزائر)، كما ظهرت من جديد أمراض سبق القضاء عليها منذ عشرات السنين (التيفوئيد، السلّ، الطاعون.) وتفشي آفات اجتماعية بصفة عامة (الرشوة، اللصوصية، الدعارة، الانتحار.).

إن هذا الكتاب يهدف - إذاً - إلى الحيلولة دون وقوع تزييف آخر، وتشويه جديد لتاريخ الجزائر، على غرار ما حصل بالنسبة لتاريخ حرب التحرير، الذي أعاد كتابته دجالون جعلوا أنفسهم أبطالا. ذلك لأن الرأي العام العالمي ما يزال بعيدا جدا عن التصديق بالمدى الواسع الذي بلغته التلاعبات والمناورات الشيطانية التي قام بها الـ(أ.ع/SM) [هذا الشعار الأسطوري الذي لم يتبدل رغم كل التغييرات التي طرأت على التسمية كـ "المديرية المركزية لأمن الجيش" (م.م.أ.ج/DCSA) و"المندوبية العامة للتوثيق والأمن" (م.ع.ت.أ/DGDS) والتسمية الأخيرة منذ سبتمبر 1990 5 وهي "قسم الاستخبارات والأمن" (ق.إ.أ/DRS) وبصفة خاصة تلك التي تهتم بالأخبار والإعلام عن أحداث الحرب والتي تُستبدل بها تلقائيا، وبمهارة فائقة أخبارٌ مشوهة "على المباشر". ولعل التجسيد الأكثر إثارة للعجب والدهشة لهذه السياسة التشويهية المنقطعة النظير هو بدون شك ذلك الابتكار العجيب لأطروحة " من يقتل من؟" في أواخر سنة 1997. فبعد المذابح الرهيبة المرتكبة في ضواحي العاصمة صمم المناضلون الجزائريون لحقوق الإنسان والمنظمات الدولية غير الحكومية للدفاع عن حقوق الإنسان على المطالبة من جديد، بلجنة تحقيق دولية مستقلة لتسليط الضوء على الشكوك المخيمة حول تورط قوات الأمن في أعمال العنف المنسوبة إلى الجماعات الإسلامية.

وفي هذه المرة بدأ صوتهم يسمع من "المجموعة الدولية" إلى درجة أن الناطق الرسمي باسم الحكومة الأمريكية جيمس روبين قد صرح يوم 05 يناير 1998 بأن حكومة بلاده ترغب في لجنة تحقيق دولية لمعرفة المسؤولين عن ارتكاب هذه المذابح ومدبريها 6. أمام هذا التهديد قامت مصلحة الدعاية في (ق.إ.أ/DRS) 7 بابتكار شعار في غاية الفعالية والخطورة، حيث قامت باستعمال عملائها الإعلاميين في الجزائر وفي الخارج (وخاصة في فرنسا حيث يزيد عددهم عن الحاجة) للترويج والإيحاء بأن هذه المنظمات الدولية والشخصيات التي تساندها يجرؤون على طرح تساؤل "من يقتل من؟"، مع العلم أن هذه الصيغة في الحقيقة لم يسبق على الإطلاق أن استعملها المدافعون عن حقوق الإنسان (.) وهو التساؤل الذي وصف تلقائيا "بالبذاءة" (وهو التعبير نفسه الذي استخدمه بصفة خاصة كل من الفيلسوفين الفرنسيين اندري كلوكصمن، وبيرنار هنري ليفي)، لوصف تلك العبارة!، " ذلك أن كل هذه الجرائم، كانت قد أعلنت الجماعات الإسلامية المسلحة مسؤوليتها عنها"، ناسين بكل تأكيد التحقق من وجود هذه الاعترافات أصلا، وإذا ما وجدت بالفعل التأكد من صحتها! ونلاحظ خلال السنوات اللاحقة، وحتى اليوم، أن كل من يشكك في دور قوات الأمن في الاغتيالات والمذابح التي ما يزال حتى الآن يكتنفها الغموض وتحوم حولها الشكوك.

نجدهم يلصقون به فورا وبصفة تلقائية تهمة "نصير أطروحة من يقتل من؟" [إن ما يجب أن يُعرف هو أن مصلحة الدعاية التابعة لـ(ق.إ.أ/DRS) وصحافة معروفة بعينها مكلفين خصيصا بمتابعة وكشف أي محاولة للتشكيك في مصداقية الخطاب الرسمي. و إن أقل تلميح أو أبسط تساؤل ولو محتشم في هذا الخصوص يدان في الحين ويتهم "بمحاولة تبرئة الإسلاميين من جرائمهم"، وذلك لتأكيد وترسيخ التفسير الرسمي السائد للصراع، والمتمثل في شرعية الحرب التي يخوضها الجيش الجمهوري اللائكي ضد "مجانين الله الإرهابيين"].

وقد أتاح هذا التبسيط للأمور، تبرير كل الجرائم، وذلك بحصر هذه المأساة في صراع ثنائي مخادع بين بعض أطرافه المحركة، والتغاضي عن أطراف أخرى لا تقل أهمية، ابتداء من الشعب ذاته! إن هذه الممارسات التي تغذي الخلط والإبهام قد بلغت في تفننها من الإتقان ما يجعل الشك يساور أكثر الناس حنكة وفطنة ودراية. وهكذا فليوهموا الرأي العام بأن هذه المذابح المرتكبة في حق المدنيين قد تمت بالفعل على أيدي الإسلاميين. قام (ق.إ.أ/DRS) بضبط آلية جهنمية لا تكاد تخطئ الهدف ويتمثل هذا "الاختراع الشيطاني" في إدراج إسلاميين حقيقيين ضمن مجموعات (مُشكلّة) من تلك الوجوه الإسلامية وعناصر من وحدات الأمن، وتكلف هذه المجموعة بتنفيذ العمليات المبرمجة في الزمان والمكان المحددين.

(ويتعلق الأمر هنا بأفراد من الإسلاميين كانوا قد ألقي عليهم القبض من قبل، وتم إكراههم، سواء تحت التعذيب أو إغراؤهم بتقديم وعود لهم بالتخفيف، أو الإعفاء من جرائم ثابتة ضدهم. والنتيجة هي إرغام هؤلاء أو أولئك على التعاون مع القوات الخاصة المكلفة بتنفيذ العمليات، وساعة ارتكاب المذبحة يأمر المسؤولون بتجاوز المنازل الأولى من الحي أو القرية المستهدفة، ويتعمدون عدم قتل أهلها، كي يتخذوا منهم في اليوم التالي شهود إثبات على أنهم رأوا بأم أعينهم سير العملية من البداية إلى النهاية، وأنهم تعرفوا، بما لا يدع مجالا للشك على إسلاميين يتقدمون المجموعة المهاجمة التي ارتكبت "المذبحة".

ولا داعي للإشارة هنا أن وجوه هؤلاء الإسلاميين "دليل دفع التهمة" تكون طوال الليل مكشوفة بينما تظل وجوه بقية عناصر المجموعة المجرمة من قوات الأمن كلها ملثمة!! وهكذا فإن حبك الأمور بهذه الكيفية الشيطانية هو الذي جعل أطروحة "من يقتل من؟" تأتي أكلها وتحقق النجاح المأمول لها في نظرهم! الأمن العسكري (أ.ع/SM) في قلب السلطة أذكر وأنا أختار الـ(أ.ع/SM) ولحظة انخراطي في (ج.و.ش/ANP) في يوم7 من شهر يوليو1974، وكنت أبلغ حينها واحدا وعشرين سنة، كان طموحي وغايتي أن أقدم مساهمتي المتواضعة في بناء دولة قانون قوية، ديمقراطية، مؤسسة على مبادئ وقيم نوفمبر (مبادئ وقيم مفجري ثورة التحرير في الأول من نوفمبر سنة 1954) واحترام الحريات واختيارات الشعب. ومع الزمن وبفعل الوظائف والمسؤوليات التي كان لي شرف تقلدها، ومع التجربة والخبرة التي توفرت لدي على مدى سنوات الخدمة التي نيّفت عن العشرين سنة، أستطيع أن أجزم وبكل تأكيد أن الـ(أ.ع/SM) هو "قلب" السلطة في الجزائر! انه دولة حقيقية داخل دولة، يتمتع بصلاحيات وإمكانات ووسائل لا حدود لها.

ولقد اكتسب هذا السلك من الأمن بحق شهرة "صانع الملوك" لأن "المصالح" كما نسميها، هي التي كانت تُعين أو تَعزل المديرين العامين للمؤسسات العمومية، الولاة، القناصل والسفراء، نواب البرلمان والوزراء وحتى رؤساء الجمهورية !! غير أنه ولسوء الحظ تأكدت خلال سنوات التسعينيات من حقيقة أخرى، وهي أنها بدلا من أن تضع هذه المؤسسة إمكاناتها الهائلة ووسائلها الضخمة في خدمة البلد والشعب أصبحت توجهها ضد الجزائر والجزائريين. إن رؤساء (ق.إ.أ/DRS) محمد مدين، وإسماعيل العماري، وكمال عبد الرحمان، وتحت ذريعة إنقاذ الوطن من "التهديد الأصولي" قد نظموا بالتواطؤ مع أعضاء عصابة الجنرالات وبعض "الدمى المدنيين" عملية نهب ثروات البلد وارتكاب جرائم بشعة ضد مواطني بلدهم، فلم ينجو منهم لا الإسلاميون ولا الديمقراطيون ولا المثقفون ولا حتى العسكريون.

فالشعار الوحيد لهؤلاء المفترسين هو تسيير البلد على هواهم وحسب أمزجتهم المتقلبة، دون قبول أي شكل من أشكال الاحتجاج!! فابتداء من سنة 1988، وبصفة خاصة بعد 1992، ثلاثون سنة بعد انتهاء حرب تحرير بلدهم عرف الشباب الجزائري معسكرات الاعتقال (المسماة كناية "بالمراكز الأمنية") في الصحراء، كما عرفوا الاختطاف، والاستخدام الواسع للتعذيب (المستعمل بكيفية تلقائية لابتزاز المعلومات – أو خاصة لإذلال المعتقلين) وكذلك التصفيات الجسدية والاغتيالات السياسية (محمد بوضياف، قاصدي مرباح، عبد الحق بن حمودة، عبد القادر حشاني.) المحاكم الخاصة، حظر التجول، "مواطني الدرجة الثانية" 8 الميليشيات، و"جماعات الدفاع الذاتي (ج.د.ذ/GLD)" كل ذلك يذكر الجميع بممارسات جيش الاحتلال (تجنيد، استخدام الجنود الإضافيين كالحركى، المخازنية، القومية. ) فلا يستغرب –إذن- إذا اعتقد الجزائريون وهم يشاهدون ذلك بأعينهم ويلمسونه بأيديهم أن سياسة جنرالات اليوم هي امتداد أو استمرار لتلك السياسة التي مارسها عساكر الاحتلال في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي !! لا يمكنني أن أسكت وليس لي الحق في ذلك، لأن السكوت يعتبر تواطؤا مع هذه السلطة المجرمة، ولذلك فإن قصدي الأساسي في تـأليف هذا الكتاب هو تقديم شهادتي على أحداث محددة بعينها، قد عايشتها كفاعل منفذ أو كملاحظ منتبه، وإني أقوم بهذا عن قناعة تامة، شعورا مني بالواجب، وبنزاهة القصد، لكي لا يُزور تاريخ الجزائر المعاصر من طرف الدجالين والمتآمرين الدمويين، كما أقوم بهذا العمل كذلك وفاء لذكرى العديد من هؤلاء الذين ذهبوا ضحية الجريمة المخططة في هذه العشرية، وهذا بأمل أن تساعد مساهمتي المتواضعة هذه على استرجاع الشعب الجزائري سيادته وحريته واستقلاله الذي دفع من أجل الحصول عليه ثمنا باهضا! سيتطرق هذا الكتاب إلى اختراق (ج.إ.إ/FIS) كهيكل سياسي، وزعزعة استقرار الوزير الأول مولود حمروش (المبادر الصادق لإجراء الإصلاحات الاقتصادية، في 1990 و1991، كما سيتطرق أيضا إلى تكوين "النواة الصلبة " للحركة الإسلامية الراديكالية في الجزائر، وكذلك توقيف المسار الانتخابي (في يناير 1992) والذي كان يستهدف بالدرجة الأولى "إطلاق العنان" للعنف، وقيام مصالح المخابرات بتكوين الجماعات الإسلامية المسلحة وعملهم كحلفاء للسلطة، حيث أنه وفي هذه السنوات بالذات(1990–1991) كما سأبينه، أخذت تتجذر البذور الأولى للمأساة المفجعة التي أدمت الجزائر وما تزال تطيل نزيفها إلى اليوم ! سأتطرق كذلك وبأكثر دقة ممكنة لدور هذه "الجماعات الإسلامية للجيش" وهي التسمية التي أطلقها عليها الشارع الجزائري(الذي لم يعد مغفلا منذ زمن طويل) سأفضح دورها في المذابح والاغتيالات الأكثر مشهديه وشناعة وكذلك تصفية الشخصيات السياسية، والعسكرية، وسأذكر توجيههم واستغلالهم من طرف رؤساء الـ(أ.ع/SM) في صيانة "الحرب القذرة" والقيام بمحاولات اغتيال معارضين في الخارج أو استعمالهم كأدوات ضد "المصالح" الفرنسية، وخاصة ما يتعلق بالتفجيرات المأساوية التي وقعت في باريس سنة 1995. إن القارئ غير المطلع وغير المحنك سيفاجأ عند قراءة هذه الصفحات بالطابع المعقد، والمدى الصعب التصديق، الذي بلغه هذا الاستخدام والتلاعب مع أنه في الحقيقة واقع مؤكد ومثبت بالأدلة القطعية.

ولكن ما يجب أن يُعرف هو أن هذه الممارسة التي يقوم بها رؤساء الجيش، والمصالح التي توجه ساسة البلد منذ 1988، لا يمثل في الحقيقة ابتكارا أو شيئا جديدا بل هو يندرج ضمن تقاليد "عريقة" في التسيير السياسي بواسطة "الضربات الدنيئة" تقاليد تعود إلى استقلال الجزائر سنة 1962، بل تعود إلى سنوات حرب التحرير !! وحتى لو لم يكن ذلك من أهداف هذا الكتاب، فيجب التذكير بأن السلطة الفعلية أو الحقيقية كانت قد صودرت بالفعل منذ سـنة 1962 من طرف كمشه من الضباط تكونوا في مدرسة المخابرات السوفياتية (كاجيبي/KGB) والذين اتخذوا من أساليب التلاعب والمناورة الطريقة الأنجع للتحكم في نزاعاتهم الداخلية والسيطرة على الشعب، "فأصحاب القرار" اليوم ومن خلال استغلالهم للعنف الإسلامي كتغطية "لإرهاب الدولة" لم يقوموا إلا بمواصلة العمل المتمادي في استعمال الطرق والأساليب التي ورثوها عن أسلافهم.

وأخيرا، يجدر بي أن أذكر هنا أن إعداد هذا الكتاب لم يكن بالأمر السهل وقد زاد في صعوبته لجوئي إلى بذل جهود مضنية للتذكر، كي أستحضر الأحداث التي وقعت منذ أكثر من عشر سنوات، حيث لا مفر من وجود بعض الثغرات، لقد اخترت توخي الدقة بقدر الإمكان إلى درجة أنني تجاوزت عن ذكر بعض الأسماء والتواريخ التي لم أكن متأكدا منها، والتزام هذه الصرامة في نظري هو احتياط لابد منه حتى لا أترك أية ثغرة، وبالتالي أية فرصة للجنرالات، وعملائهم، كي يلقوا بظلال الشك، وفقدان المصداقية على ما أذكره من حقائق قاطعة، ويصفونها "بالقذف" وذلك لأنني مثل العديد من الذين عايشوا "سنوات الدم" وقطعوا الصلة معها وهم اليوم لاجئين يستحيل علي ماديا حتى لحظة كتابة هذه السطور، أن أبرهن وأثبت تلقائيا بالمعنى القضائي للكلمة – مجموع الوقائع التي انقلها، في حين أن الطاعنين في أقوالي هم في موقع يسمح لهم "بفبركة" وتلفيق أية أدلة وإحضار أي شهود!! فلهذا اخترت ألا أحدد بالاسم ولا أذكر إلا الفاعلين المؤكدين في هذه الحلقات المأساوية، لأني أعرف أنهم إن غامروا في رفع دعوة ضدي أمام العدالة الفرنسية بتهمة "القذف" فسأكون قادرا حيينها على تقديم "عرض من الأدلة" لن يستطيع محاموهم أن يدحضوها أبدا.!! آخر تدقيق: إني أعرف مسبقا أن هذه الصفحات ستتعرض للنقد الشديد من "أصحاب القرار" في الجزائر، بواسطة مصالح العمل النفساني التابعة لـ(ق.إ.أ/DRS) وأدواتها الإعلامية المعروفة.

وقد سبق و أُخطرت بذلك بعدة طرق وخاصة في الثالث من شهر يوليو سنة 2002، أثناء الإدلاء بشهادتي أمام الغرفة 17 للمحكمة العليا بباريس، لصالح الضابط السابق في القوات الخاصة الجزائرية الحبيب سوايدية الذي كان متابعا قضائيا بتهمة "القذف" من طرف وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار، بسبب الحديث الذي أدلى به للقناة الفرنسية الخامسة ضد "أصحاب القرار" في الجزائر على إثر صدور كتابه "الحرب القذرة" 9. بعد الإدلاء بشهادتي صرح الجنرال خالد نزار للعدالة بقوله "إن السيد سمراوي غادر الجزائر منذ 1992، بعد ستة أو سبعة أشهر من توقيف المسار الانتخابي.

فبعد 12 سنة من الوضع القائم في الجزائر توجد هناك تطورات ولا أظن أن السيد سمراوي ملم بكل العناصر".10 وألاحظ هنا عابرا أن السيد خالد نزار تحدث سنة 2002 عن "12 سنة" فهو يعتبر إذن أن الوضعية التي كان هو أحد المسؤولين أثناءها، قد بدأت سنة 1990 وليس منذ انقلاب 1992. هنا يكمن أحد مفاتيح فهم خلفيات الفاجعة التي يعيشها وطني منذ ذلك التاريخ! فهذه إذن مسائلة جوهرية سأحاول أن أتناولها بالتفسير في هذا الكتاب، خاصة وأنني اعتقد أنني قد أجدت "الإلمام بكل العناصر" التي يتحدث عنها السيد نزار، وأترك الحكم للقارئ. I 1990-1991: الإسـلاميـة المـوجهـة 1 زعزعـة استقـرار مولود حمروش في شهر مارس من سنة 1990 بعد مروري سريعا على نيابة مديرية مكافحة التجسس، عينت رئيسا "لمصلحة البحث والتحليل"(م.ب.ت/SRA) التابعة "للمندوبية العامة للتوثيق والأمن" (م.ع.ت.أ/DGDS)، وهي إحدى فروع جهاز الـ(أ.ع/SM) الجزائري، كانت البلاد حينئذ في حالة غليان، ورؤساؤنا بصدد العهد إلينا بمهام جد خاصة لمواجهة هذه الحالة المستجدة.

ولكن قبل أن أشرع في تفصيل ذلك يتعين علي أن أعود إلى الوراء لمعرفة المناخ الذي كان يسود صفوفنا حينذاك.الـ(أ.ع/SM) وصدمة أكتوبر 1988 في شهر نوفمبر 1987، قام رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد (بإيعاز من رئيس ديوانه الجنرال العربي بلخير "الذي ستكون لي فرصة العودة إلى الحديث عنه بالتفصيل") بإعادة تنظيم جذري لجهاز الـ(أ.ع/SM)، العمود الفقري للسلطة منذ استقلال الجزائر سنة 1962. حيث تم تقسيم الجهاز إلى كيانين مختلفين تماما وعمليا منفصلين هما: "المندوبية العامة للوقاية والأمن" (م.ع.و.أ/DGPS) تابعة لرئاسة الجمهورية، قد أسندت إلى الجنرال مجدوب لكحل عياط (الذي كان يسير الـ"أ.ع/SM" منذ 1981) و"المديرية المركزية لأمن الجيش" (م.م.أ.ج/DCSA) أصبحت منذئذ مسيرة من طرف الجنرال محمد بتشين، وهذا الجهاز كان يتكلف خاصة وحصرا بالمسائل العسكرية. كانت مهمة (م.ع.و.أ/DGPS) تتمثل في محاربة التجسس، والأمن الداخلي، و"الوقاية الاقتصادية"، بهدف مكافحة الآفات التي كانت تنخر المجتمع، وخاصة الاختلاسات، الرشوة، نهب أموال الدولة، وكذلك التكفل بمتابعة إنجاز الصفقات العمومية ومراقبة الشركات الأجنبية في الجزائر.

وبعبارة مجملة فإن كل ما يخص الحياة المدنية كان يدخل ضمن صلاحيات هذا الجهاز. إن لكحل عياط، و بتشين، على الرغم من أنهما لا ينحدران من جهاز الـ(أ.ع/SM) ولم يكن لديهما مؤهلات خاصة في مجال الاستخبارات فكلاهما معروف بكونه عسكريا جيدا، ويكاد مسار خدمتهما العسكرية يكون مماثلا: قيادة لواء ناحية عسكرية، لكن لكل واحد منهما طابعه الخاص. كان الجنرال لكحل عياط المنحدر من عائلة ميسورة الحال من عين رقادة بالقرب من واد الزناتي، محترما جدا، رجل مرح، يتميز باعتدال يصل أحيانا إلى درجة التراخي، وقد فوض جزءا كبيرا من صلاحياته إلى مرؤوسيه الذين كان يمنحهم ثقة تامة، والذين استغلوها ليقلبوا له الأمور بكل مكر. إن الجنرال لكحل عياط من الضباط السامين القلائل جدا في (ج.و.ش/ANP) الذين قبلوا طواعية أن يكونوا كبش فداء وأن "يدفعوا" من أجل الآخرين، مؤديا في ذلك دور الصهيرة أو "كبس الاحتراق" في الوصلة الكهربائية، من أجل رفاقه في "الديوان السري" وهذا يدل على أن نزاهته الأخلاقية لا يمكن أن توضع محل الشك. الجنرال محمد بتشين أكثر حذرا، ذو شخصية قوية، معروف في قسنطينة – مدينته الأصلية – كمشجع متحمس للفريق الرياضي القسنطيني، نادي كرة القدم الذي كان رئيسه الشرفي، ملاكم قديم، وطني حتى النخاع، رجل حازم، وأوامره لا تقبل أي نقاش.

من نوفمبر 1987 إلى أكتوبر 1988 كان جهاز الـ(أ.ع/SM) يراوح مكانه في حالة انتظار: الجنرالان لكحل عياط ومحمد بتشين قضيا السنة يتنازعان حول اقتسام وتوزيع الأفراد والوسائل. رجال كلا المصلحتين قضوا جزءا كبيرا من الوقت في مراقبة بعضهم بعضا (كما كان الأمر في زمن النزاعات والمناوشات الداخلية في سنوات التسعينيات) في ذلك الوقت كان الرئيس الشاذلي بن جديد بمشورة الجنرال العربي بلخير، يعتزم القيام بانفتاح اقتصادي قابل للتطور والتكيف مع المستجدات: لم يكن واردا لديهم إجراء أي انفتاح سياسي ولكن إعطاء بعض الحرية داخل حزب (ج.ت.و/FLN) الحزب الوحيد في البلاد منذ الاستقلال سنة 1962.

في هذه الظروف أرادت عصابة بلخير أن تستغل هذا المعطى الجديد كي تتخلص من الضباط الذين كانوا يعارضون هذه السياسة وخاصة منهم ضباط الـ(أ.ع/SM)، وهو ما يفسر "إعادة الهيكلة " للـ(ج.و.ش/ANP) التي كان قد شُرع فيها في منتصف الثمانينيات، توخيا الحيطة والحذر من احتمال وقوع أي انقلاب عسكري 11 من جهة، وإبعاد جيل كامل من الضباط المنحدرين من جيش التحرير الوطني الجزائري من جهة أخرى، وبصفة خاصة أنصار الحزب الواحد المتحمسين له وللعقيدة الاشتراكية.وقد كان هذا التطهير فرصة للجنرال العربي بلخير، وهو الرجل القوي فعليا في السلطة، أن يعمل على تركيع "المصالح" 12 أو على الأقل إضعافها بهدف التخطيط "لاستحقاقات" قادمة، ووضع رجال من زمرته أوفياء لسياسته وينفذون تعليماته على الرأس والعين.

أستطيع أن أذكر عشرات الحالات الخاصة بالضباط المبعدين وخاصة المديرين العامين للـ(أ.ع/SM) مثل الرواد حاج عمر جرمان، معروف، عبد العلي، محمود، وزيادة (وسأقتصر فقط على ذكر أولئك الذين أعرفهم شخصيا على مستوى الناحية العسكرية الخامسة، لأن الأسلوب نفسه هو الذي اتبع في النواحي العسكرية الأخرى، النقباء محمد بوقلاب من قسنطينة، علي عميرش من سطيف، خان من القلّ، بلقاسم مناسل من باتنة، عبداوي من سطيف، محمد الصالح المدعو "فليو" من عزابة، وكذلك رؤساء مكاتب أمن القطاع (وقد كان يوجد واحد في كل ولاية) كالملازم عبد الله صحراوي من عنابة، وبلقاسم درموني من تبسة، الصديق من خنشلة، عمور من سكيكدة.

أصبح الـ(أ.ع/SM) في أزمة حقيقية متخبطا في العديد من المشاكل المصطنعة جراء النزيف الذي أصابه نتيجة ذهاب العديد من الضباط الأكفاء إلى التقاعد، وبالتالي عجز العديد من إطاراته عن فهم وإدراك خلفيات وأبعاد أحداث أكتوبر 1988. هذه الأحداث رسمت منعطفا حاسما في تاريخ بلادنا منذ الاستقلال من يوم 5 إلى 10 أكتوبر شهدت البلاد تمردا شعبيا غير مسبوق راميا مئات الآلاف من الشبان في شوارع وطرقات كبريات مدن الوطن مهاجمين كل رموز النظـام (مقرات حزب "ج.ت.و/FLN"، وزارات، بنوك، محلات تجارية تابعة للدولة.)، كان القمع شرسا فبعد إعلان حالة الطوارئ لم يتردد الجيش تحت قيادة الجنرال خالد نزار في إطلاق النار على الحشود، موقعا أكثر من خمسمائة قتيل وقد ألقي القبض على الآلاف من المتظاهرين الذين كانوا يعذبون بصفة تلقائية13.وبالفعل سرعان ما عرفنا بأن تلك المظاهرات كانت نتيجة تدبير مخطط من "أصحاب القرار" التابعين لزمرة العربي بلخير.

لقد نظموا عن قصد – عملية نقص بعض المواد والسلع ذات الاستهلاك الواسع في السوق ليُشعلوا فتيل الفتنة! لقد كان هدفهم الأساسي هو تحطيم حزب (ج.ت.و/FLN)، والشروع في تحقيق نوع من الانفتاح السياسي "المراقب" الذي يخدم شهيتهم في الفوز بالسلطة والثروة! إن وضع الشاذلي بن جديد وقتها كان في غاية الضعف من جراء فضيحة رشوة تورط فيها ابنه توفيق (والمعروفة بقضية موحوش) ونظرا لرغبته في الحصول على عهدة ثالثة فانه لم يكن أمامه أي بدّ من التكفل والتغطية على الدسائس التي كان يدبرها مرشده العربي بلخير.

وعليه فقد سددت العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية المقلقة فاتورة هذه الأحداث "العفوية" بدأ برئيس الحكومة منذ 1979 الدكتور عبد الحميد براهيمي الذي أعفى من مهامه في 9 نوفمبر 1988 وعّوض بالرئيس السابق للـ(أ.ع/SM) قاصدي مرباح 14، ثم محمد الشريف مساعدية الأمين الأول لحزب (ج.ت.و/FLN)، ولقد عرف نفس المصير أيضا رئيس(م.ع.و.أ/DGPS) كبش الفداء الذي وجد ليتحمل مسؤولية القمع الوحشي: ابتداء من نهاية أكتوبر 1988 أقيل الجنرال لكحل عياط وعين مكانه رئيس (م.م.أ.ج/DCSA)، الجنرال محمد بتشين الذي يترك منصبه للجنرال محمد مدين المدعو "توفيق" هذا الأخير كان آنذاك مسؤولا عن تنسيق مصالح الأمن برئاسة الجمهورية.

لقد ورث ببساطة على "طبق من فضة" إدارة تتوفر على وسائل مادية هائلة، عانى الجنرال بتشين في تجميعها، وقد جلبت له الكثير من المتاعب والخصومات! لقد كان السياق السياسي وقتها يتطلب بالضرورة وجود رجل قوي على رأس أقوى فروع الـ(أ.ع/SM) والذي يكون في الوقت ذاته وفيا، وقريبا من زمرة "أصحاب القرار" وهي بالضبط الصفات المتوفرة في توفيق. إن الجنرال محمد بتشين لم يكن رجل الوضعية: فالظروف الصعبة الآنية هي فقط التي فرضته، كما كان الحال بالنسبة لقاصدي مرباح عندما كان الأمر يتطلب اختيار رجل نزيه لقيادة الحكومة بعد شلال الدم الذي سال في أكتوبر 1988. تبين أن تكتيك الجنرال العربي بلخير المخ المدبر للرئيس الشاذلي بن جديد كان ناجحا.

فالجنرال محمد بتشين الذي كان قد أفرغ (م.ع.و.أ/DGPS) من بعض عناصرها الممتازة لصالح (م.م.أ.ج/DCSA) وجد نفسه على رأس هيكل "مدني " مُنهك (سمي لاحقا "بالمندوبية العامة للتوثيق والأمن" "م.ع.ت.أ") والذي كان قد قام لتوه بإفراغه من محتواه وتقطيع أواصله كما أسلفنا! لكن بالنسبة إلينا لم يتغير أي شيء على الإطلاق فمهامنا وصلاحياتنا داخل الدار لم يطرأ عليها أي تغيير، نفس الأشخاص بقوا في أماكنهم، يقومون بنفس المهام وعمليا بنفس المنظم. وكل الناس واصلوا استعمال تسمية "الـ(أ.ع/SM)" عند الحديث أو الإشارة إلى مصالح الأمن (فعبارة (م.ع.ت.أ/DGDS) لم يكن لديها وجود إلا كترويسة للتقارير أو عند طلب الرخص والعطل.) آمال حكومة حمروش وصعود الـ(ج.إ.إ/FIS) لقد مثل أكتوبر 1988 بكل تأكيد زلزالا شديدا بالنسبة للطبقة السياسية الجزائرية، أذكر جيدا الانتقادات العنيفة التي كان يوجهها العديد من محافظي حزب (ج.ت.و/FLN) في الولايات (المحافظات) للرئيس الشاذلي بن جديد، ونعته "بالخائن" لكونه خضع لأوامر "حزب فرنسا" وهو ما يعتبر أفظع شتيمة في الجزائر.

فقد كان الكثير من قادة الحزب الواحد في ذلك الوقت المتخوفين من الانفتاح الذي أخذت تتحدد معالمه، لا يفهمون موقف الرئيس الذي كان يبدو أنه يقوم بشن حرب ضد حزب (ج.ت.و/FLN) رمز الثورة. وبالفعل فقد عرفت البلاد وقتها انقلابا عجيبا في الأوضاع : إن الدستور الجديد المصادق عليه في 28 فبراير 1989 يجيز تعدد الأحزاب ويعترف مبدئيا –ولو بكثير من التحفظ – بالتعددية بكل أشكالها (السياسية، النقابية، الثقافية.) وهذا قد أثار، واغضب، رجال (ج.ت.و/FLN) وخاصة أولئك الذين كانوا يستغلون بطاقة أو عنوان الحزب للاستفادة من الامتيازات المختلفة كالتملك غير القانوني لأملاك الدولة والرشوة والمحسوبية وما شابه ذلك.

وهو ما أصبح أمرا عاديا عند تذوق طعم السلطة وامتيازاتها لاسيما أن مفهوم إعادة توزيع المداخيل لم يدخل بعد في ثقافة هؤلاء السدنة الذين لم تكن الديمقراطية معروفة لديهم، كما كانوا يجهلون تماما وجود أي شيء يسمى سلطة فعلية مضادة. إلا أن الأمر في الواقع كان يتعلق بانفتاح "تحت الرقابة" ذلك أن التوجيهات التي عجلت بأحداث أكتوبر 1988 كانت تعني حقيقة أن العسكريين "أصحاب القرار" أدركوا أن المحافظة على السلطة لا يمكن أن تتم إلا بهذا الثمن. معولين على استعمال مبدأ "فرق تسد" فأعّد العربي بلخير وحلفاؤه مخططا بسيطا مفاده: اقتسام الواجهة السياسية بين التيار الإسلامي، والتيار الوطني (ج.ت.و/FLN) والتيار المسمى "ديمقراطي" ممثلا في "جبهة القوى الاشتراكية" (ج.ق.إ/FFS) والشيوعيين وحزب الحركة البربرية، "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" (ت.م.ث.د/RCD) الذي حصل على الاعتماد في فبراير 1989.

وكما أعلمنا لاحقا، فإن حساباتهم كانت تقوم على تقسيم الأصوات على الأقطاب الثلاثة بنسبة 30% لكل واحد منهم، مع ترك هامش للمناورة بقدر 10% يقدم عند الاقتضاء للبراليين أو المستقلين أو التكنوقراطيين، مهما يكن فالمهم أن القاعدة الشعبية لهذا القطب وذاك تظل محدودة ولا يكون هناك حظ لأي واحد منهم أن يفرض نفسه على الساحة السياسية كقوة وحيدة منفردة. لقد كان الهدف المتوخى(غير المعلن بطبيعة الحال) هو أن لا تسفر "ديمقراطية الواجهة" هذه عن أية أغلبية مطلقة، وتسمح بذلك لعبة التحالفات اللازمة للحكم "لمحركي الدمى" من مواصلة القيادة والتسيير بفضل البيادق المزروعة هنا وهناك داخل التشكيلات السياسية. لكن لم يكن يدرك هذه الحسابات في ذلك الوقت إلا القليلون جدا، فالوقت كان للحماس الذي كان يعيدنا بكيفية ما إلى روح ثورة الاستقلال. فبالنسبة للكثير من الجزائريين، كان جيل الفاتح من نوفمبر (ذلك الذي فجر ثورة التحرير الوطني) المجسد في مراد ديدوش، مصطفى بن بولعيد، يوسف زيغود، والكثير غيرهم من المجاهدين الصادقين أبطال تلك الملحمة المجيدة التي ترمز إلى أسمى وأروع أنواع التضحية في سبيل استقلال الجزائر.

لقد كان ذلك بالنسبة لي مثلا احتذى به عندما انخرطت في الجيش، واضعا في اعتباري أنه إذا كان أسلافنا الميامين قد سقطوا في ميدان الشرف من اجل تحطيم نير الاستعمار، فإن دور جيلنا هو التضحية من اجل إقامة دولة عصرية تسودها العدالة، تتركز على أسس وقيم نوفمبر 1954 لكي يعيش الشعب الجزائري في كنف العزة والكرامة والازدهار. بديهيا، أن الذين كانت لديهم هذه القناعات قبل 1988 كانوا يدركون أن تشييد دولة "مثالية" يتطلب الكثير من الوقت والجهد وان النقص والقصور الملاحظ هنا وهناك كان دائما يسجل على حساب نقص التجربة وعدم وجود نخبة قادرة على وضع سياسة حقيقية لإعادة بناء الدولة. كنا نجد دائما الذرائع لتبرير عجزنا الذي ينحصر في شيئين هما التراخي، والمجاملة.

ولا أحد كان يجرؤ على ذكر نقص الشفافية، وغياب الحرية، وضعف روح المبادرة. غير أنني لم أفقد الأمل، وعكس الكثير من زملائي، فقد كنت مطمئنا عندما شق الرئيس الشاذلي بن جديد الخطى نحو الانفتاح السياسي وإقرار التعددية الحزبية بعد أحداث أكتوبر 1988، وتحت ضغط الشارع وبعض "مستشاريه". ولقد كبرت ثقتي وازداد أملي يوم 9 سبتمبر 1989 عندما أسندت الحكومة إلى مولود حمروش (بعد قاصدي مرباح الذي لم يبق سوى ستة أشهر) وهو رجل شاب نشيط وكفأ. ابن الشهيد هذا هو مقدم في (ج.و.ش/ANP) كان مرافقا للرئيس الراحل هواري بومدين قبل أن يتدرج في سلم المسؤولية شيئا فشيئا : فقد بدأ رئيسا للديوان في الرئاسة ثم أمينا عاما للرئاسة فرئيسا للحكومة خلفا لقاصدي مرباح.

كان على عاتق مولود حمروش إقحام حكومته في العمل على جبهتين: الشروع في عملية الإصلاح الاقتصادي، وإعادة بناء المؤسسات لتكييفها مع متطلبات الديمقراطية.عندما استلمت وظيفتي كرئيس (م.ب.ت/SRA) التابعة لـ (م.ع.ت.أ/DGDS) في مارس 1990 كان البلد مقبلا بعد ثلاثة أشهر على أول انتخاب تعددي في تاريخه الفتي: كان الاقتراع قد حدد إجراؤه يوم 12 جوان للتنافس على الفوز بالمجالس الشعبية البلدية والولائية.

ومنذ شهور ظهر في الساحة معطى جديد شوش على رجال "الحل والعقد" العسكريين، وسبب اضطرابا كذلك "للإصلاحيين" في حكومة حمروش: ويتمثل هذا المعطى الجديد في صعود (ج.إ.إ/FIS) التي أسسها عباسي مدني وعلي بن حاج، والتي حصلت على الاعتماد يوم 6سبتمبر 1989، وقد حجبت الأنظار بالفعل عن التشكيلات السياسية الأخرى وكادت تفرض نفسها كبديل لـ(ج.ت.و/FLN) الحزب الحاكم منذ الاستقلال! لقد سجلت (ج.إ.إ/FIS) نقاط أثناء زلزال نوفمبر 1989 والذي ضرب منطقة تيبازة، حيث هب مناضلوها إلى تقديم المساعدة، وإسعاف المنكوبين وكانوا يرددون بسخرية آنذاك بأن "الابن فعل أفضل من الصهر" في إشارة إلى المعنى المختصر لبداية حروف (ج.إ.إ/FIS) التي تقابلها بالحروف اللاتينية (F.I.S) وتعني في اللغة الفرنسية "ابن" تلميحا بذلك إلى أن " الابن " الذي هو (ج.إ.إ/FIS) فعل ما لم يفعله "الصهر" وهي إشارة واضحة إلى والي (محافظ) تيبازة الذي كان بالفعل "صهرا" للرئيس الشاذلي بن جديد بما يحمل ذلك أيضا من معاني للإشارة إلى جو محاباة الأقارب الذي كان سائدا. في الوقت الذي صرح مدير الإدارة المحلية بالولاية للتلفزة الوطنية مقرا بأنه "وجد نفسه عاجزا عن تقديم المساعدة للمتضررين من الزلزال" مع العلم أن المخبزة الصناعية في مدينة الشراڤة لم تكن تبعد أكثر من 30 كلم عن مكان الزلزال، وكان بإمكانه أن يجعلها تساهم بشكل فعال في توفير الخبز للمنكوبين، في هذه الأثناء كان مناضلو (ج.إ.إ/FIS) يعملون بدون انقطاع كخلية نحل على إيصال المواد الغذائية والبطاطين للمنكوبين في قوافل متتالية.

إن هذه الانطلاقة في العمل التضامني بقدر ما كانت تخدم بالتأكيد غرضا انتخابيا، كانت تتباين مع انشغالات كبار المسؤولين في الولاية الذين كانوا مجندين لإزاحة أكوام الحجارة والدمار عن الطريق المؤدية إلى الفيلا التي يملكها الجنرال محمد عطايلية بشنوة، بالرغم من أنها لم تكن مسكونة! إن هذا الحماس لدى الإسلاميين أحدث تباينا صارخا مع جمود إطارات الإدارة المحلية، كما أن الأسواق "الإسلامية" التي مكنت المحرومين، وضعاف الدخل من الحصول على الخضر والفواكه بأسعار معقولة في شهر رمضان لسنة 1990، كانت أيضا من العوامل التي زادت من توسيع القاعدة الشعبية لهذا الحزب، وبالإضافة إلى ذلك فإن قادة (ج.إ.إ/FIS) الذين اتخذوا من الإسلام الداعي إلى إصلاح الأخلاق والتطهير سجلهم التجاري قد أحسنوا استغلال أخطاء المسؤولين المحليين والشقاء الذي يعيشه المجتمع، وشعور الشبيبة بأنها مهمشة وبدون مستقبل، إضافة إلى مشاكل البطالة، والسكن، التي تضرب أطنابها دون أن تعرف أي حل ! صراع العـصب في القمة من ناحيتي أنا كانت الأمور واضحة، بعد خلافتي للرائد حاج لرباع على رأس مصلحة البحث والتحليل (م.ب.ت/SRA)، وهو منتوج خالص "معتق" من النظام القديم، كنت أظن أني جسدت التغيير، وكنت أرى من واجبي نفخ روح التجديد هذه في نفوس رجالي.

ومن باب النزاهة الفكرية، أرى من واجبي أن أقرّ هنا بأن التعليمات لم تكن تسير في هذا الاتجاه بالضبط، الخطأ الرئيسي المرتكب من مصالحنا في عهد الجنرال بتشين " الذي دام إلى غاية سبتمبر 1990" كان يتمثل في اختراق الأحزاب السياسية التي كانت في الحقيقة تمارس نشاطها في إطار الشرعية طبقا للقانون (ومن هنا جاء مصطلح "الشرطة السياسية" الذي استعمله المعارضون الحقيقيون في الإشارة إلى الـ"أ.ع/SM")، ولم ينج من هذا الاختراق أي حزب سياسي مؤثر، أهدافنا الرئيسية كانت (ج.إ.إ/FIS)، و(ج.ق.إ/FFS)، يجب القول هنا بأننا في ذلك الوقت لم نكن قد اكتسبنا تجربة التعاطي مع الديمقراطية: فمعظم ضباط الـ(أ.ع/SM) "واجهوا" للمرة الأولى معارضين يمتلكون حق النقد العلني والصريح في حين أن رؤساءهم كانوا ما يزالون على ولائهم لـ(ج.ت.و/FLN). لم يصلوا بعد إلى التمييز بين معارض وعدو، بحكم أنهم طوال سنوات خدمتهم، كانت مهمتهم الأساسية تتمثل في مطاردة المعارضين المعتبرين "كأعداء للثورة". لقد كانت (م.ب.ت/SRA) تتمحور صلاحياتها حول أربع مهام رئيسية هي: - مكافحة الجرائم الاقتصادية أو ما يعرف بـ "الوقاية الاقتصادية" - إجراء "تحقيقات التأهيل" لتعيين الشخصيات في المناصب العليا للدولة.

- الجوسسة المضادة - "الأمن الداخلي" ويعني مراقبة الأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية (النقابية، الطلابية.) مراقبة الصحافة، وكذلك بعض "الأماكن الحساسة" (العدالة، المواني، المطارات، الفنادق.) متابعة التجمعات والمؤتمرات والاجتماعات والمظاهرات، المشاركة في الأعمال الإدارية بالولايات والدوائر والبلديات، وكذلك إعداد التحاليل الاستشرافية اللازمة للقيادة قصد اتخاذ القرارات على ضوء المعطيات المقدمة.

كما كان من مهام مصلحتنا أيضا تحضير أعمال مصالح العمليات. بعد أحداث أكتوبر 1988 أصبحت (م.ع.ت.أ/DGDS) منحصرة في الجزء المركزي لما يُعرف بالـ(أ.ع/SM) سابقا، يعني مجموع الإطارات العاملين مع الجنرال بتشين: الإدارة العامة، المفتشية، الوسائل والمالية، القسم التقني، وقسم مكافحة التدخل الخارجي "الذي يضم نيابة مديريتين: الأمن الداخلي والجوسسة المضادة"، المراكز الستة للبحث والتقصي (الموجودة في كل ناحية عسكرية)، مصلحة البحث والتحليل (م.ب.ت/SRA) وكذلك المركز الرئيسي للعمليات (م.ر.ع/CPO).

قسم مكافحة التدخل الخارجي كان يسيره الرائد عبد القادر حداد المدعو "عبد الرحمان" والمعروف باسم مستعار ثاني هو "النمر" وقد آخذ عليه أعداؤه وصحافة معينة مغالاته في الاستنطاقات الخشنة أثناء أحداث أكتوبر 1988 وبالرغم من ذكائه الحاد وكفاءته العالية، فإن الرائد عبد الرحمان (مسؤول سابق في مصلحة الشرطة القضائية) ذهب ضحية زمانه.

وفيما يخصني فإني احتفظ له بصورة رجل محترف مخلص لوطنه.أثناء هذا الربيع 1990 كانت (م.ع.ت.أ/DGDS) المندوبية العامة للتوثيق والأمن في قلب المعركة القائمة بين العصب في هرم السلطة. فالعمل الذي أنجزه الجنرال محمد بتشين والمتمثل في إعلام الرئيس الشاذلي بن جديد بصفة مباشرة بالأوضاع السائدة والسائرة على أرض الواقع كان يقلق بالفعل مخططات العربي بلخير وزملائه (المكلفين بتجميع المعلومات بطريقة "انتقائية" لتبليغها إلى الرئيس) فتقرير (م.ر.ع/CPO) كان يذهب من الرائد عبد الرحمان عن طريق الجنرال بتشين ليصل مباشرة إلى رئيس الجمهورية، مما أكسب الجنرال بتشين ثقة الرئيس بفعل سرعة ومصداقية المعلومات التي كان ينقلها إليه.

هنا تكمن جريمة القدح في الذات الملكية لعراب "الديوان الأسود" الذي كان يطمح إلى "تسيير" ومراقبة كل صغيرة وكبيرة، فالعربي بلخير كان زيادة على ذلك حانقا على مولود حمروش، لمباشرته عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي محاولا من جانبه (وسأعود إلى هذا الموضوع فيما بعد) أن يلغي العمولات الخفية المأخوذة من أصحاب الريع في السلطة على الواردات من المواد الاستهلاكية. ولو دامت هذه الوضعية على ما كانت عليه فإن السيرة المهنية للعربي بلخير كانت ستتعرض حتما للخطر الداهم! ولكي يثأر لهذه "الإهانة" المزدوجة، نجده يضرب عصفورين بحجر واحد، وذلك بحبك الدسائس والمؤامرات ضد الضابطين القديمين في جيش التحرير الوطني، حمروش وبتشين، بإثارة وتحريض كل واحد منهما ضد الآخر ليصل إلى التخلص من "مقلقيه" كليهما بفارق شهور فقط بين الأول والثاني! أثناء هذه الحملة كلها بقي الجنرال محمد مدين بعيدا عن هذه المجابهة بين العربي بلخير ومحمد بتشين، يحضر نفسه في الخفاء للظفر بمصلحة الأمن والاستخبارات محيطا نفسه بمعاونيه "المستقبلين" الذين اختارهم منذ ذلك الوقت وهم معه حتى الآن.

"الإصلاحيون" يقـلقون ! عندما باشرت مهامي الجديدة على رأس (م.ب.ت/SRA) لفت انتباهي عنصران متناقضان: الكفاءة العالية لغالبية الإطارات الذين كنت أقودهم وضعف المستوى الثقافي للعُصب الحاكمة وضحالته المفزعة. فقد لاحظت أن أغلبية الضباط المذكورين كانوا من قدماء ضباط الصف جندوا على أساس "الكفالة"، فهذا التقليد الفريد في الـ(أ.ع/SM) ترك آثارا لا تمحى، فهذا مُتهم بأنه "رجل العقيد فلتان" وذاك "رجل العقيد علان".

لقد عين الضباط الأربعون الذين كانوا تحت قيادتي كلهم تقريبا في مهام تخص البحث والتقصي، كانوا مغروسين في الإحدى والعشرين بلدية التابعة للعاصمة، وفي الوزارات والمناطق الصناعية. الخ، أنه حقيقة نسيج عنكبوت، يغطي هكذا في الجزائر، مجموع النشاطات السياسية، والاقتصادية، والإدارية (مدارس، جامعات، مساجد، محاكم، مؤسسات التنمية الاجتماعية، صحافة، إذاعة، تلفزيون.).

لقد كان عملي يتمثل في التنشيط والتوجيه والتنسيق وجمع المعلومات وإعداد الخلاصة وتقديم عروض عن الوضعية للقيادة. ونظرا لكثرة الأعمال، فلم أجد وقتا لترتيب الأمور، وتنظيف الجو السائد في المصلحة بالكيفية التي كنت أرغب فيها.كنت أتمنى(في هذا الوضع الجديد الذي أحدثه التعدد السياسي) أن أبعد من الصفوف أولئك الضباط من ذوي النزعة التجارية أو عديمي الكفاءة الذين لم يكونوا جديرين في نظري بالانتساب إلى هذا السلك من النخبة، لأسباب أخلاقية تخص الاستقامة والأمانة، والنزاهة. لم يشطب من صفوفي وبمبادرة مني إلا ضابطان اثنان أحدهما هو النقيب داود. 15 لم يكن لدي الوقت الكافي، ذلك أن الوضعية كانت في غاية الصعوبة، وكنا نعمل على جميع الجبهات. لقد كان رؤساؤنا يعبئوننا لمراقبة جريان الرياح الجديدة التي كانت تهب على الساحة السياسية الجزائرية: الأحزاب تنشأ كل يوم مثل الفطر، وكذلك الصحف والإصلاحات التي بدأها مولود حمروش ووزيره غازي حدوسي كانت دائما تحت نيران هذه الصحافة الجديدة المسماة "مستقلة" وهي كلها تصدر باللغة الفرنسية كـ (ليبدو ليبيري، لو جون انديبوندن، ألجيري أكتوياليتي، لو صوار دالجيري.) وما يجب ذكره هنا هو أن حكومة حمروش منذ 1989 قد شجعت ازدهار هذه الجرائد والصحف المنشأة حديثا أو المخصخصة، ضامنة لمؤسسيها ثلاث سنوات من الراتب، ومن جهة أخرى بقيت هذه الصحف "المستقلة" وإبقائها تابعة كليا للدولة، في مجال التزويد بالورق والطباعة وخاصة الإشهار الذي يعتبر ضروريا لبقائها.

وهي ورقة الضغط التي أفرطت في استخدامها "المصالح" الخاضعة لأوامر العربي بلخير، أو محافظين سابقين في (ج.ت.و/FLN) (أبعدهم الأمين العام للحزب عبد الحميد مهري الذي كان يقف مع الإصلاح) للتأثير على الرأي العام وتوجيه النقاش ضد الإصلاحيين. ولقد كان هؤلاء الإصلاحيون ضعفاء بالفعل غير أنهم قد استغلوا هامش المناورة الضيق الذي تُرك لهم فكانوا يسعون بشجاعة، لخوض غمار إصلاح هيكلي للخروج من اقتصاد الريع والافتراس، في حين أن الحسابات الخارجية كانت حينها منخفضة إلى أدنى درجة. وكان يتعين عليهم قيادة مفاوضات مع صندوق النقد الدولي كانت قد بدأتها حكومة قاصدي مرباح من قبل قصد الوصول إلى اتفاق متوسط المدى مع الإيطاليين، ومع البنوك الدائنة من أجل إعادة جدولة الديون الخارجية التي كانت تخنق البلد.

ومن جهة أخرى إذا كان صحيحا أن المسؤولين الرئيسيين في الحكومة (مثلما هو الشأن بالنسبة لأغلبية الإطارات) الذين توصلوا إلى القضايا لأول مرة سنة 1989 كانوا مستقيمين وأمناء، فإنه كان من الخطر بمكان المجازفة باستنكار أو إدانة الشبكات المفترسة التي كانت تعمل تحت إشراف العربي بلخير وبعض قدماء المجاهدين حيث يعرض ذلك إلى عواقب وخيمة ورد فعل عنيف،16 وهذا بالضبط ما لحق بالذين كانوا أكثر التزاما من بينهم، وقد كنت في موقع الاطلاع لأعرف "المؤامرات الدنيئة" التي ذهبوا ضحيتها. إن الثمانية أشهر الأولى لحكومة حمروش حتى شهر جوان 1990 كانت أشهر ملاحظة محايدة للأوضاع، والعصب التجارية كانت مقتنعة بأن عملية الإصلاح لن تسفر إلا على المزيد من الصفقات وجني الأرباح والفوائد لؤلئك الذين كانوا يشغلون مناصب مواتية في الدولة.

لقد كان أول حمام بارد أخذته تلك العصب التجارية هو الإصلاح المالي، والقانون الخاص بالعملة والقرض وإصلاح مدارات القرار المالي مع استبعاد الإدارة، وهو ما جعل أصحاب القرار يثورون ويرفضون ذلك بشدة، وجعلهم يسربون أخبارا ملفقة ومكذوبة ضد الإصلاحيين عبر مختلف القنوات، موعزين بذلك إلى الأحزاب المجهرية التي كانت محسوبة عليهم في المجلس الوطني الشعبي (م.و.ش/APN) إلى طلب استجواب الحكومة بهذا الخصوص. إن الإصلاحيين الذين ظنوا أنفسهم في مركز قوة ولديهم الكثير من الأوراق الرابحة. (آفاق خلق مناصب شغل للشباب، إحياء نشاطات الصناعات الصغيرة والمتوسطة.) لم يعيروا الاهتمام الكافي لهذه الهجمات من طرف أصحاب الريوع في السلطة. وستدوم هذه الحرب الملبدة حتى التسوية النقدية، الإصلاح المالي الحقيقي والتحرير التجاري.

ولما اتضح الأمر بأن الإصلاح الاقتصادي الذي قام به مولود حمروش سائر في طريق إلغاء مصادر الانتفاع بالنسبة لهؤلاء المفترسين كان رد فعلهم عنيفا، حيث بدأوا "ينشرون" الفضائح الملفقة في "الصحافة المستقلة" ضد الإصلاحيين!! لقد بدأت هذه الإصلاحات بالفعل تكشف الطفيليين وتسحب البساط من تحت أرجل الوسطاء المنحرفين الذين كانوا يسيطرون على شبكات الاستيراد، والاتجار في المواد الضرورية المستوردة ذات الاستهلاك الواسع كالسكر والقهوة، والدواء، والحبوب. إن قيام مولود حمروش بهذه العملية لتحقيق القطيعة مع الأسلوب القديم أقلق أصحاب الريوع من رؤساء "المافيا" السياسية والمالية في البلاد، وهذه التسمية كانت كناية تستعملها "الصحافة المستقلة" لتفادي تعيين المسؤولين الحقيقيين، وذكرهم بأسمائهم، وهم كمشة من الجنرالات المرتشين الذين ما فتئوا يستنزفون الاقتصاد الوطني منذ 1980. لقد كانت العمولات الهامة التي يقبضونها بطريقة غير قانونية من هذه العمليات تتراوح كحد أدنى ما بين 10 و15% من المبلغ الإجمالي للصفقة المبرمة وهو ما يمثل مصدر ثراء لا يقل عن مليار دولار في السنة، كانت تهدده إصلاحات حمروش بالزوال! ردود فعل رؤسـاء العـصابة وهكذا بدأ مولود حمروش منذ شهر ماي 1990 يتعرض لحملة منظمة لزعزعة استقراره، وهي مدبرة ومنسقة من بعض المصالح خاصة مصالح الصحافة التابعة للـ(أ.ع/SM) والتي كان يشرف عليها العقيد جيلالي مراد (المدعو صالح) وتلك التابعة للرئاسة والتي كان الجنرال توفيق قد تنازل عنها للجنرال بن جلطي (المعروف بعبد الرزاق، وبحسن تيطوان) وقد كانوا يستعملون لذلك جريدة (إيبدو ليبيري) التابعة لمحمد مقدم، المدير السابق للإعلام بالرئاسة والصديق الشخصي للجنرال توفيق (الاثنان من ناحية برج بوعريريج) لقد أخذت المصالح تُقطّر "الأخبار" وتسرب " الملفات" للصحافة "المستقلة" التي كانت تتكفل بنزع المصداقية عن حكومة مولود حمروش وتشويه صورتها! وقد ظل وزيراه المكلفان بحقيبتي الاقتصاد والداخلية يتعرضان لهجوم متواصل الأول (غازي حدوسي) وقد كانوا يتهمونه "ببخس قيمة" الاقتصاد الوطني، والثاني (محمد الصالح محمدي) على أنه مظلي سابق في الجيش الفرنسي موالي للإسلاميين ولكن الأول كان المستهدف بصفة خاصة، والإشاعة التي روجت ضده هي أنه يهودي !! وقد كانوا يستدلون في إطلاق هذه الإشاعة عليه بسبب تعامله مع يهودي مغربي يدعى ريمون بن حـاييم (وهو معارض لنظام الحسن الثاني ومحكوم عليه بالإعدام) عضو مكتب دراسات فرنسي (ACT)، لمساعدته في إعادة تنظيم التجارة الخارجية الجزائرية، خاصة وأن هذا الأخير كان قد عمل على العقود المبرمة مع المؤسسات الأجنبية، من طرف (م.و.م.غ/ENAPAL)، وهي تمثل احتكار الدولة المكلف باستيراد بعض المواد الاستهلاكية الأساسية (كالسكر، القهوة، الزيت وما شابه ذلك.) فبماذا كان يقلقهم مكتب الدراسات الفرنسي؟ الحقيقة أن فحص هذا المكتب لفيوضات التجارة الخارجية، والعقود المبرمة مع المصدرين الأجانب، كان يساعد الحكومة (وهذا بطلب منها) على التعرف على أساليب النصب وكشف مختلف مصادر العمولات الخفية (تضخيم الفواتير.) وهو ما كان يهدد مباشرة مصالح المنتفعين بذلك.

وبإصلاح (م.و.م.غ/ENAPAL) أصبحت هذه الأخيرة مستقلة وبدأت تعطي نتائج إيجابية (انعكست على انخفاض الأسعار، وتحسين طريقة التموين) وقد امتدت التجربة إلى شركة النقل البحري، واستيراد السيارات (المفاوضات مع شركات بيجو، رونو، فيات.) وقد كان الرهان في غاية الأهمية: فإذا انخفضت التكلفة وتحسنت الخدمات في هذه المؤسسات، ستعمم عملية التحديث لتشمل احتكار الاسترادات الأخرى(كالحليب، والدواء، وما إلى ذلك.) ولهذا السبب تركزت الهجمات على (م.و.م.غ/ENAPAL)، وعلى مكتب الدراسات الفرنسي اللذين أعانا الوزير غازي حدوسي في عملية إصلاحه هاته. ولهذا سيتهم في الصحافة بأنه "عميل" لإسرائيل ! ويتهم مكتب الدراسات الفرنسي، بأنه مؤسسة تعمل لحساب حمروش ماليا، قصد خدمة مستقبله السياسي وتلميع صورته في الغرب. وهناك قضية أخرى ذات دلالة على الجو الذي ساد تلك الحقبة (وبإمكاني ذكر المزيد من هذا النوع) وهذه القضية تخص غرف التجارة: فبتعليمة من رئاسة الجمهورية كانت هذه الغرف ستصبح مستقلة ومسيرة بمجلس إدارة منتخب. وقد كان الهدف من ذلك مزدوجا: قطع الصلة، بين القطاع الخاص المنتج ووزارة التجارة، وإجبار أرباب العمل الخواص على الاضطلاع بمسؤولياتهم دون انتظار الامتياز.

فقد أعطت حكومة حمروش لمجالس إدارة غرف التجارة الجدد صلاحية التسيير المباشر لعملية التموين الخارجي للقطاع الخاص، في انتظار حرية تنقل رؤوس الأموال. لقد كان انتخاب مجالس الإدارة هذه في بداية 1990 حماسيا، وكانت نتائجه هزيمة لأصحاب الريوع المرتبطين خاصة بزمرة بلخير، الذين فقدوا بذلك السيطرة على القطاع الخاص، ومن ثمة فقدوا جزءا من العمولات التي كانوا يأخذونها عن التجارة الخارجية. وقد حاولوا دون جدوى اتهام خصومهم بتلقي رشاوى، وحتى لجنة التحقيق التي أثارتها في (م.و.ش/APN) لم تجد كملفات وسخة إلا ملفات الشبكات التي أخفقت في الانتخاب(حبوب، أحذية، نسيج، صفقات عمومية للبناء.) وبالطبع المتابعات التي طلبتها اللجنة. ابتداء من أواخر سنة 1990 بدأ الإصلاحيون يخيفون أعضاء عصابة الجنرالات الذين لاحظوا أن أساليبهم المعتادة لم تعد مفيدة، وأن الإصلاحيين كانوا قادرين على وضع حد للرشوة.

وكانت بداية الفترة الثانية من عهدة حكومة مولود حمروش متسمة بالتصلب من كلا الطرفين، واشتعلت الحرب بينهما على جميع الجبهات وانتهت في جوان 1991 بإقصاء مولود حمروش من طرف عصابة العربي بلخير.(وسأعود إلى هذا الموضوع لاحقا) غير أنه قبل ذلك كان العربي بلخير يريد التخلص من رئيس (م.ع.ت.أ/DGDS) الجنرال محمد بتشين. سليل جيش التحرير الوطني وبالتالي معاد لعصابة الجنرالات القادمين من الجيش الفرنسي بدأ بتشين بالفعل، يكسب ثقة الرئيس الشاذلي وبالتالي يضع مكانة العربي بلخير (مدير ديوانه) في خطر وهو الذي كان يريد أن يبقى المصدر الوحيد (حسن الاطلاع) للمعلومات التي تنقل لرئيس الدولة حتى يظل قادرا على مراقبته بكيفية جيدة.

وبمناورة شيطانية استعمل العربي بلخير مكائد مختلفة لإفقاد مصداقية بتشين لدى الرئيس الشاذلي، مستعملا في الوقت ذاته كل ما يملك من وسائل، لتسميم العلاقة بين رئيس (م.ع.ت.أ/DGDS) الجنرال محمد بتشين، والوزير الأول مولود حمروش.فرئيس الحكومة تم إقصاؤه من طرف الجنرالات، فأصبحت كل تقارير (و.د.و/MDN) و(م.ع.ت.أ/DGDS) ترسل إلى رئيس الجمهورية، أو إلى الجنرال العربي بلخير، دون أن توجه ولو خلاصة عنها إلى مولود حمروش. وعندما كان يتكرم عليه الجنرالات ببعض المعلومات، فذلك لا يكون إلا لتضليله بأخبار مشوهة ومغلوطة قصد إفقاده المصداقية لدى الرئيس، ليبدو بذلك في الدوائر الرئاسية شخصا سيئ الاطلاع على الوضعية، أو غير قادر على تسييرها، والسيطرة عليها.

لقد فعلوا كل شيء للإضرار بمولود حمروش وإبعاده عن الرئيس لإضعافه أكثر فأكثر! إن المناورة الأكثر بذاءة كانت تتمثل في إعطائه توقعات مغلوطة عشية الانتخابات المحلية التي جرت في 12 جوان 1990 مسجلين لـ(ج.ت.و/FLN) نسبة 80% من الأصوات، وفي الوقت ذاته وصل حقد وبغض الـ(أ.ع/SM) على حمروش إلى درجة أنهم قدموا تقريرا للرئيس الشاذلي بن جديد عن وجود شبه تمرد أو مقاومة مسلحة كان مولود حمروش بصدد تنظيمها في مسيلة. وأستطيع أن أدلي بشهادتي على هاتين العمليتين من تشويه الأخبار اللتين كانت لي صلة مباشرة بهما.

التوقعات المغلوطة عن انتخابات جوان 1990 أثناء اجتماعات التحضير –للانتخابات- التي عقدت في آخر ماي 1990 على مستوى ولاية الجزائر فوجئت بعدم اكتراث السلطات المحلية، وخاصة الوالي هاشمي جيار وأقرب مساعديه الذين لم يكونوا على الإطلاق يسيطرون على الوضعية في الميدان. لا الوالي ولا رؤساء الدوائر، والأقل منهم حاج صدوق رئيس أمن ولاية الجزائر، فلا أحد منهم كان يبدو عليه أنه توقع صعود (ج.إ.إ/FIS). بما أن الانتخابات كانت دائما مزورة، فالكل كانوا يعتقدون بلا شك أن (ج.ت.و/FLN) "ستتملك" من جديد، وأن نتائج الانتخابات "ستُصحح" كالعادة! في حين أن التعليمات المعطاة من طرف رئيسنا الجنرال محمد بتشين كانت واضحة: ليس من الوارد على الإطلاق التدخل في التصويت أو إجراء أي تغيير أو تحويل في الاقتراع بأية وسيلة من الوسائل. وزيادة على ذلك فالأمر يتعلق بأول انتخاب تعددي يجري في الجزائر، وممثلو الأحزاب السياسية يملكون حق الإشراف على عمليات الانتخاب والسهر على شرعيتها.

وبالفعل أستطيع أن أجزم بأنه وإلى ذلك اليوم فإن تلك الانتخابات مع التي جرت في ديسمبر 1991 هي الوحيدة في تاريخ الجزائر المستقلة التي لم تلجأ فيها الإدارة إلى عملية التزوير. حتى أن البعض من ضباطي (كمحمد بوزارة في بئر مراد رايس، وسفيان لحلوح في حسين داي، أو الملازم حاجي في الدار البيضاء.) الحاضرين في عمليات فرز الأصوات، قد منعوا عملية "حشو صناديق الاقتراع" أمام اندهاش وذهول المسؤولين المحليين! عشية الانتخابات كنت مكلفا من طرف الرائد عبد القادر حداد المدعو "عبد الرحمان" رئيس قسم مكافحة التدخل (ق.م.ت/DCI) التابع للـ(م.ع.ت.أ/DGDS) بإعداد تقرير مصالح الأمن عن النتائج المحتملة للانتخاب، والذي كان من المفروض أن يسلم إلى رئيس الجمهورية.

بعد عقد العديد من الاجتماعات مع الإطارات الذين كانوا حاضرين في الميدان، ونظرا لحالة الاتكال واللامبالاة التي طبعت سلوك مرشحي حزب (ج.ت.و/FLN) الذين فضلوا الاستجمام على الشواطئ بدلا من التجند. كنا مقتنعين بانتصار الإسلاميين.فقد كانت (ج.إ.إ/FIS) تحظى بجاذبية قوية لدى الشباب والإطارات المقصين والمهمشين من النظام، وكذلك لدى الطبقات الأكثر حرمانا وفقرا في المجتمع دون نسيان المساجد التي كانت تقوم بدور المنابر الدعائية للحزب. وشعورا مني بأن القيادة لا ترغب في التوقعات "الكارثية" بذلت جهدا في أن أترك موضوعيتي جانبا لكي أمنح "فقط" 40% لـ(ج.إ.إ/FIS) و 30% لـ(ج.ت.و/FLN) و20% لبقية الأحزاب الأخرى (مع وضعي في الاعتبار نسبة متملقة لـ(ت.م.ث.د/RCD) نظرا لمقاطعة (ج.ق.إ/FFS) الانتخابات في بلاد القبائل) كما قدرت 10% لما يسمى بالمرشحين "الأحرار"، الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر (ح.د.ج/MDA) للرئيس الأسبق أحمد بن بلة، وحزب الطليعة الاشتراكي (ح.ط.إ/PAGS) (الحزب الشيوعي الجزائري السابق) انضموا إلى (ج.ق.إ/FFS) لحسين آيت احمد (وهو أقدم حزب معارض في الجزائر منذ استقلالها سنة 1962) في النداء إلى مقاطعة هذه الانتخابات التعددية الأولى في تاريخ الجزائر المستقلة. لقد استقبل هذا التقرير الواقع في حوالي عشرين صفحة، والذي يبين الأسباب التي دعتنا إلى هذه الاستنتاجات.

استقبالا سيئا من طرف رئيس (ق.م.ت/DCI)، الذي كان الساعد الأيمن للجنرال محمد بتشين ونظرا لما كان يسود علاقتنا من احترام متبادل فقد طلب مني أن"أعيد النظر" في تحليلي الاستشرافي، حيث كان يرى حسب تقديره أن (ج.إ.إ/FIS) لا يمكن أن تحصل على هذه النسبة، وأن تقديري لم يضع في الحسبان انتخاب "الهيئات الرسمية" (ج.و.ش/ANP)، الشرطة، الحماية المدنية. الذين يفضلون تقليديا (ج.ت.و/FLN)، ونظرا لما لاحظه لدي من تحفظ فقد عهد الرائد عبد الرحمان بتحرير التقرير المذكور إلى النقيب السعيد لوراري (المدعو مسعود) الذي لم يتردد في منح (ج.ت.و/FLN) نسبة 80% وبقراءة التقرير الجديد أصابني الذهول، وثبطت عزيمتي حيث لم تتغير في التقرير سوى النسب الخاصة بالنتيجة، وليس النص الذي يبرر هذه الأرقام.

النسخة النهائية للنص المعدل حررت خلال الليلة السابقة للاقتراع، وفي اليوم التالي الذي كان يصادف الأربعاء 10 جوان 1990 طلب الجنرال بتشين التقرير الذي لم يكن قد انتهى من تحريره إلا في الساعة العاشرة صباحا(وقتها كنا حديثي العهد بإدخال الإعلام الآلي إلى مصالحنا ولم نكن نتحكم فيه جيدا، مما جعلنا نحرر النص يدويا، ثم يدخل الكاتب المعطيات ويصحح الأخطاء بعد ذلك، لينتهي بطبعه وتسجيله. إنه عمل ممل ومرهق للأعصاب. وأنا الذي ذهبت على متن سيارة الجنرال بتشين، وهي من نوع بيجو 504 سوداء اللون، لأسلم شخصيا التقرير المزيف إلى العربي بلخير، مدير ديوان الشاذلي بن جديد، الذي كان ينتظره بفارغ صبر على درج مدخل الرئاسة بالمرادية. فبهذه الوثيقة تحصل الجنرال العربي بلخير على الدليل القاطع على "عدم كفاءة" رئيس (م.ع.ت.أ/DGDS)، الذي كان قبل ذلك بأيام قلائل قد أبلغ مولود حمروش بتوقعاته الخاطئة، والتي تعجّل هذا الأخير تبليغها إلى الرئيس الشاذلي. وعند إعلان نتائج الاقتراع 17 كان رئيس الدولة في غاية الاستياء، منتقدا علانية نقصان الصرامة لدى مصالح الأمن.

هذه هي الكيفية التي يمكن فيها لأعلى سلطة في البلاد أن توقع عمدا في الخطأ! لكن بدافع النيل من مولود حمروش ولإفقاده المصداقية لدى الرئيس، وإيهامه بأنه لا يسيطر على الوضعية في الميدان، البلد كله وجد نفسه مورطا في ركوب "مغامرة" تمثلت لدى "أصحاب القرار" في إضعاف جبهة التحرير قليلا (بما من شأنه أن يكبح عملية سيرها نحو التجديد الحقيقي)، والمراهنة على ورقة (ج.إ.إ/FIS) (مع إبقائها تحت المراقبة) وكل هذا من اجل أن يتمكنوا من الاحتفاظ بامتيازاتهم. لقد لعبت السلطة بالنار، ولتغطية هزيمتها النكراء راحت تتحدث عن "الانتخاب العقابي" الذي تعرض له حزب (ج.ت.و/FLN)، وفي الحقيقة فان الحزب الواحد سابقا ذهب ضحية تخريب منظم ومخطط بإتقان، فبإثارة قسم كبير من نواب (ج.ت.و/FLN) ضد حمروش، والذين كانوا يعتبرون أنفسهم قد خانهم الشاذلي بن جديد توصلت مناورة الظل لعصابة الجنرالات إلى شل محاولات الوزير الأول لتجديد الحزب: فبدلا من إزالة العوائق لتشبيب القادة، والالتزام بعزم وتصميم، بإيجاد الحلول للمشاكل المزمنة التي يتخبط فيها المواطنون بقي أعضاء (ج.ت.و/FLN) في صراعاتهم الداخلية منشغلين بمصالحهم الخاصة والمحافظة على امتيازاتهم. بدلا من الاقتراب من الجماهير الشعبية ومعايشة همومها، وحل مشاكلها. في هذا السياق المضطرب ذهب مولود حمروش ضحية التضليل والتلاعب بالمعلومات وعداء الجنرالات الفارين من الجيش الفرنسي وحلفائهم. وأصبح في وضع يستحيل عليه إدراك المؤامرة التي كانوا يحيكونها ضده.

قضية "المقاومة الزائفـة" في مسيلة إن قضية ادعاء وجود "مقاومة مسلحة" بمسيلة وهي منطقة تقع حوالي 150 كلم جنوب شرق الجزائر، هي كذلك تعتبر اغرب من الخيال، واليكم سردا لوقائعها بالتفصيل فيما يلي: ففي شهر أوت سنة 1990 كانت قناة التلفزة الوطنية الوحيدة (الصوت الرسمي للسلطة) قد أعلنت عن مصادرة قوات الأمن لكمية من الأسلحة لدى تنظيم مسلح بالمسيلة، والتي قالت أن وراءها "أحد المسؤولين الكبار في الجزائر، بهدف زعزعة استقرار البلاد". بالنسبة لمصالح الأمن فالأمر يتعلق برئيس الحكومة مولود حمروش بالذات ! وبصفتي مشاركا مباشرا في هذه القضية فإني أستطيع أن اشهد بأن المسألة برمّتها هي عبارة عن مؤامرة موغلة في الدناءة دبرها العربي بلخير بتواطؤ مع بعض عناصر الـ(أ.ع/SM). وعلى رأس هذه العناصر المورطة مباشرة في هذه العملية الرائد عبد الفتاح مدير مركز البحث والتقصي (م.ب.تق/CRI) بالبليدة وهي مدينة تقع بحوالي 40 كلم جنوب غرب العاصمة. ففي بداية 1990 وحينها كنت في منصبي بتيبازة على خلاف مع هذا الشخص (بسبب رفضي تلبية رغبته في وضع منزل صيفي تحت تصرفه لقضاء العطل الأسبوعية على الشاطئ، مع إعفائه من دفع أي حساب.).

وقد توترت العلاقات بيننا وبلغت درجة من السوء حتمت على أحدنا أن يترك منصبه، فطلبت حينها إذن مقابلة رئيس (م.ع.ت.أ/DGDS) الجنرال محمد بتشين، وعندما استقبلني هذا الأخير باح لي بهذا السر:" أنا متأسف أن أرجح هذا الاختيار، ولكنه (عبد الفتاح) يقوم حاليا بمتابعة قضية ذات أهمية كبرى تمس أمن الدولة، ولذلك فإنك أنت الذي ستذهب" وهكذا تم تعييني في الجزائر العاصمة في شهر أفريل 1990 لدى الرائد "عبد الرحمان" مسؤول (ق.م.ت/DCI) قبل أن أعين بعد ذلك بشهر على رأس (م.ب.ت/SRA). أثناء صيف 1990 طلبني الرائد عبد الرحمان إلى مكتبه ليطلب مني المشاركة في "بعثة" تضم أيضا ضباطا آخرين من قسم مكافحة التدخل (ق.م.ت/DCI) وعناصر من مجموعة التدخل الخاصة (م.ت.خ/GIS) 18.

ولم يكن الرائد عبد الرحمان كثير الكلام مختصرا قوله في أن الذهاب سيكون يوم الخميس ابتداء من منتصف الليل في اتجاه المسيلة. وفي الساعة الصفر لحظة الانطلاق، كنت مستغربا من رؤية عناصر (م.ت.خ/GIS) محمولة على متن شاحنات عسكرية، في حين أن لهم وسائلهم الخاصة للتنقل، (وهي سيارات من نوع دوكاطو الإيطالية) وعند وصولنا إلى المسيلة حططنا الرحال في ثكنة كان يقيم بها أصلا عناصر من (م.ب.تق/CRI) للبليدة بقيادة الرائد عبد الفتاح.

لقد كان الكل بمن فيهم الجنرال محمد بتشين حاضرا يومها في المسيلة. على الساعة السادسة صباحا عقدنا اجتماعا سريعا لعرض أهم النقاط، وقد كانت المسألة تتعلق "بالقضاء على شبكة هامة للتسليح". ولقد شرح لنا الرائد عبد الفتاح المسألة، وأنه بفضل الأموال التي وضعت تحت تصرفه من (م.ع.ت.أ/DGDS) (مليون دينار وهو مبلغ معتبر في ذلك الوقت) قام أحد رجاله (برتبة مساعد) باختراق هذه الشبكة بتسريب مخبرين إلى صفوفها، وإعطائهم أموالا لإعادة شراء الأسلحة، ولقد اشتروا بالفعل دزينة من القطع من أحد الأشخاص يدعى "احمد العود" وهو "المخ" الرئيسي لهذه المجموعة المختصة بالاتجار في السلاح وتهريبه. وبفضل هذه الأدلة التي لا تقبل الدحض، كان يعلم أن هذه الشبكة زودت جماعة مقاومة نظمها "مسؤول كبير" (إن أول ما فكرت فيه ساعتها هو أن الأمر يعني بالضرورة الرئيس الأسبق أحمد بن بلة الذي عاش في مسيلة بعد إطلاق سراحه من السجن سنة1980) وكان الأمر إذا يتعلق بضرورة تفكيك هذه الشبكة.

وبعدما رفع الاجتماع قامت عناصر من مجموعة عمليات التدخل الخاصة بتوقيفاتها الأولى، الرجال الأوائل الذين أحضروهم كانوا كما ولدتهم أمهاتهم ومشبعين ضربا، وكان الضباط الجلادون المكلفون بالاستنطاق هم (مصطفى، زياد، سعود، عزالدين) وقد كانوا يريدون اجتثاث اعترافات منهم بأية وسيلة، كنت ألاحظ دون أن أصدق ما يجري بمجرد أن "يهمهم" أحدهم بلفظ اسم من الأسماء حتى يسارع رجال مجموعة عمليات التدخل الخاصة إلى إحضاره في الحال !! بينما أنا في تلك الحالة من الاندهاش والحسرة أنظر دون تعليق بادرني الرائد عبد الرحمان بقوله: "وأنت ألا تستنطق !؟" فقلت:" لا، أنتظر أن يأتوني بالملف كي أحضّر أسئلتي، ليس لدي أية فكرة عن طبيعة هذه القضية" لحظتها قال عبد الفتاح وعلى وجهه شحوب ظاهر:" لقد ألححت في طلب الملف ثلاث مرات على الأقل. " وفي أثناء ذلك تبين أن ستة أشخاص في الناحية كلهم كانوا يحملون اسم "احمد العود" (بمن فيهم أحد الموقوفين مقطوع الذراع، وقد كان يتعرض لنفس المعاملة التي يتعرض لها الآخرون !).

وعندما رأوا تصميمي أحضروا لي الملف أخيرا على الساعة العاشرة صباحا، وبفحصه لم يتطلب مني الكثير من الوقت لاكتشف أن الأمر برمته هو محض تركيب أو ترتيب: لا أساس لوجود أي اتصال مادي ملموس بين رجل عبد الفتاح (الذي كان من المطلوب أن يتفاوض على شراء السلاح) والشخص المدعى تاجر السلاح، الوارد في القضية. في الوقت الذي كان (م.ب.تق/CRI) في البليدة يتوفر على وسائل التصنت والمراقبة.لم يكن في الملف أي أثر تسجيل سمعي، بل ولم يكن في الملف ولو تقرير مكتوب، سند، أو وصل يحمل دليلا على المعاملة التجارية الحاصلة بين الطرفين. لا شيء إطلاقا لا شيء ! مع أن عبد الفتاح لم يكن شخصا مبتدئا! وهكذا فبدلا من أن انضم إلى عملية الاستنطاق الجارية لهؤلاء الموقوفين، طلبت الاستماع إلى المساعد المكلف بهذه العملية من طرف الرائد عبد الفتاح، وبما أن الجلادين المحققين لم تقع أيديهم على المتهم الرئيسي الذي "تبخر فجأة" (ولن يجدوه أبدا، وأجهل حتى إذا كان هؤلاء الموقوفون قد قدموا إلى العدالة من طرف (م.ت.خ/GIS) التي ألقت عليهم القبض وأحضرتهم إلى الاستنطاق. )

طلبت من المساعد أن يوضح أسباب اختفاء المتهم الرئيسي، فكانت إجابته قليلة الإقناع، وغير مناسبة مع الأهمية التي يفترض أن تكتسيها هذه القضية. لقد قال شارحا تلك الأسباب بان لقاءه بالمشتبه فيه يعود إلى يوم قبل ذلك، وأنه شك في وجود "تسرب" ومن ثمة امتنع عن إجراء أية معاملة جديدة، واستشعارا منه بالخيانة، واكتشاف أمره فقد توقف عن مواصلة تسليم الأسلحة، وأشهد الله على ذلك!! وأمام جوابي الجاف "إنك تكذب" أخذ صاحبنا يرتجف ويتلجلج وبقي واجما عندما قلت له:" في الأوساط المتاجرة في السلاح والمخدرات لا نفلت من الشخص الذي حاولنا التخلص منه، لا يوجد " الله وكيلك" في هذه الأوساط، خاصة وأنك –كما تزعم- كنت تحمل حقيبة يد تحتوي على مبلغ هام من الأوراق النقدية وكان الوقت ليلا وفي الجبل، أنا متأسف، إنها حكاية لا يصدقها عاقل! وأثناء ذلك لم يحقق الجلادون أي تقدم، فالأشخاص الموقوفون لم يكونوا سوى مهربين صغار لا وزن لهم ولا أهمية.

لقد تبين أن العملية كلها هي عبارة عن بضع مسدسات آلية من النوع الرديء صنعت في ليبيا، لم يكن يتجاوز عددها العشر، وهو ما لم يكن يهدد أمن الدولة في شيء، كما كانت تريد بعض الأوساط أن تروج له، وتحمل الناس على تصديقه ومن بين هؤلاء المروجين يومية المجاهد الناطقة بالفرنسية. على الساعة الحادي عشرة شرحت المخادعة بكل تفاصيلها للرائد عبد الرحمان الذي أبلغ الجنرال محمد بتشين في الحين قائلا له باستهزاء " لقد اكتُشف السر" ولم تمض عشر دقائق حتى تلقينا الأمر بحزم أمتعتنا والعودة إلى الجزائر! وكوني قد كشفت المناورة، فقد ظننت ببساطة، في البداية، بأنها عملية مدبرة من عبد الفتاح للحصول على "بعض المال" وعندما رأيت وجه الجنرال بتشين لحظة اكتشافه أنه قد "خدع" انتظرت أن يتخذ إجراءات عقابية، وبالفعل فقد عزل رئيس(م.ب.تق/CRI) للبليدة من منصبه على الفور، (وعوض بمهنة جبار الذي كان يشغل نفس المنصب في ورڤلة) لكن لم أكن أتصور أن يقوم التلفزيون ثم الصحافة المكتوبة بعد ذلك بشر عناوين كبيرة تتحدث عن "زعزعة الاستقرار" نظرا لسخافة الموضوع، غير أن الصحافة لم تتطرق إلى جوهر هذه القضية وفحواها (ولم ينشر عنها أي شيء حتى هذه اللحظة)! وبالفعل لقد كانت مفاجأتي عظيمة عندما علمت بعد ذلك بقليل بأن الجنرال بتشين قد رفع تقريرا كاذبا للرئيس الشاذلي عن هذه القضية يتهم فيه رئيس الحكومة مولود حمروش، ويحمله مسؤوليه تكوين وتسليح عناصر مقاومة في المسيلة! عندما ذكر الرائد عبد الرحمان في بداية القضية تورط مسؤول كبير اعتقدت بصدق أن الرئيس السابق أحمد بن بلة هو الذي كان مستهدفا من هذه المناورة (ولم أكن مخطأ) لكن في آخر الأمر أصبح المستهدف منها هو مولود حمروش بالذات! ولقد أكد لي ذلك فيما بعد وزير الاقتصاد السابق غازي حدوسي شخصيا الذي أظهر له الرئيس الشاذلي تقرير الجنرال بتشين الآنف الذكر.

وبإلصاق هذه التهمة بحمروش كانت عصابة الجنرالات تريد أن توهم الرئيس الشاذلي بان حمروش كان بتلك العملية "يحضر" في الخفاء للاستيلاء على السلطة (وهو بالضبط ما آخذوه عليه بعد ذلك بسنة!) وقد كانوا يهدفون من وراء ذلك بصفة خاصة إلى إثارة رئيس الوزراء ضد الجنرال محمد بتشين. ولقد علمت فيما بعد أن القضية بكاملها كانت طبخة جديدة، وعملية قذرة من عمليات العربي بلخير، وقد حيكت بأوامره وتحت إشرافه من الألف إلى الياء (من وراء الجنرال محمد بتشين الذي لم يكن يعلم عنها شيئا)، والذي قام بالتنفيذ ثلاثة إطارات من الـ(أ.ع/SM) وهم: الرائد عبد الفتاح والملازم رضوان(رجل ثقة لعبد الفتاح في "م.ب.تق/CRI" بالبليدة) والمساعد الذي نسيت اسمه والذي كان يقوم بدور الوسيط مع تجار الأسلحة (وكان الدور الوحيد لهذا الأخير طوال السداسي الأول من سنة 1990 مقتصرا على دفع المال واسترجاع (تحصيل) السلاح الذي سيستخدم "كدليل إثبات" فيما بعد ضد حمروش.

لقد كان للملازم رضوان أحد الأقارب يعمل تحت السلطة المباشرة للجنرال العربي بلخير، مما مكنه من استخدامه بسهولة، أما بالنسبة للرائد عبد الفتاح فإن النهم الذي كان يتميز به جعله الرجل الأمثل للقيام بمثل هذه العمليات، زد على ذلك أنه سيقبض من وراء الصفقة بضع عشرات من ملايين السنتيمات! وما يجب أن يعرف، هو أن بلخير عندما يريد أن يتخلص من أحد لا يهاجمه أبدا من الأمام، فهو ذكي ومحنك في المكر وأعمال الغش، والضرب تحت الحزام، ويتمثل تكتيكه المفضل في خلق الخصومة والتنافس، وإذكاء التوتر في العلاقات وتحريض هذا المسؤول ضد ذاك، ثم يتقدم بعد ذلك، وهذا حسب الحالات "كوسيط" أو "مصلح ذات البين" بين الأصدقاء والأخوة المتشاحنين!! وفي هذه الحالة بالذات فإن هذه المؤامرة التي حبكها مع عبد الفتاح في البداية كانت تهدف إلى زعزعة استقرار بن بلة، الذي كان يقدر أن بإمكان حزبه الجديد، الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر أن يعطيه سندا قويا.

وبتوسط عبد الفتاح اقتنع بتشين، وتورط شخصيا في القضية، لأنه صدق حقا بوجود مقاومة مسلحة وكان صادقا عندما قال لي بأن الرائد عبد الفتاح يقود "قضية ذات أهمية كبرى تمس أمن الدولة".خاصة وأنه قد أخطر الرئيس بهذا الملف. وعندما أدرك أنه خُدع من طرف عبد الفتاح، لم يكن بإمكانه قط الرجوع إلى الوراء، حتى لا يكون هزأة أمام الرئيس، وهو ما سيؤدي إلى إضعاف سلطته. فكان لابد –إذن- أن يغطي هذا الفشل بالبحث على كبش فداء، ولهذا السبب قبل اقتراح العربي بلخير بإعداد تقرير ضد حمروش بالتفاصيل المذكورة آنفا، وإدراكا من بلخير بأن مخططه الأصلي ضد بن بلة قد انكشف (لقد أدخلت رجلي في الموضوع دون أي علم بما كان يدبر في الواقع) قرر بالفعل أن يمدّ طوق النجاة إلى بتشين، مقترحا عليه تقديم هذه الدسيسة "كمؤامرة" من تدبير حمروش، وفي الوقت ذاته قام بلخير باتخاذ التدابير لتنظيم تسريب سيصل إلى رئيس الحكومة بواسطة غازي حدوسي.

إن هذه المكيدة نجحت تماما في إحداث الوقيعة والقطيعة بين بتشين وحمروش، وتحولت البرودة السائدة بينهما أصلا، إلى تباغض وعداء شديدين!! لقد حرصت على أن أشرح بالتفصيل نوازع هذه المؤامرة المتعددة الجوانب، والتي تقترب في غرابتها من الخيال، حتى يقيس القارئ الكريم النفسية المنحرفة التي يتميز بها هذا الرجل وأصدقاؤه "أصحاب القرار" الذين سيرتكبون جرائم في السنوات اللاحقة، أخطر وأفظع من ذلك بكثير في حق الوطن! المنعطف الحاسم لصيف 1990 إنني أجهل في الأساس لماذا سار الجنرال بتشين في هذه المؤامرة مع أنه صديق لمولود حمروش، وقد ظل مخلصا له وأمينا معه تقريبا حتى تلك الواقعة. لعل ذلك يعود إلى وفائه (لرفقاء السلاح) من العسكر العربي بلخير وخالد نزار، (في حين لم يكن هو نفسه من القادمين من الجيش الفرنسي) على كل حال فإن تقلبه لم ينجه: حيث أجبر في آخر أوت 1990 من طرف هؤلاء أنفسهم على تقديم استقالته وسيتزامن هذا الذهاب مع منعرج كبير في الحياة السياسية للبلاد.

سجل صيف 1990 بالفعل تتويج عمل تقويضي دؤوب مسير منذ عدة سنوات من طرف زمرة "أصحاب القرار من المنحدرين من الجيش الفرنسي" بقيادة العربي بلخير، لإقصاء الضباط السامين الآخرين المنحدرين من جيش التحرير الوطني. ومن بين العوامل الأخرى المساعدة على ذلك سلبية الشاذلي بن جديد المأخوذ في قبضة مدير ديوانه، مما سمح لهذا الأخير والمتواطئين معه بحرمان رئيس الدولة من دعم الضباط الذين بقوا أوفياء له. منذ سنة 1987 تم إقصاء العميد الركن محمد بلوصيف الأمين العام لـ(و.د.و/MDN)، مع أنه كان مرتبطا جدا بالرئيس، وذلك بإجباره على التقاعد في أعقاب قضية "تحويل أموال" مزعومة مدبرة ومرتبة بين العربي بلخير والمتواطئين معه بمساعدة جهاز الاستخبارات الفرنسي. (في حين أنه أقصي في الواقع بسبب رفضه إعطاء الأوامر للـ"ج.و.ش/ANP" لقمع أعمال الشغب المندلعة في قسنطينة وسطيف سنة 1986) وفي الوقت ذاته أقصي الضباط المقربون منه مثل بولطيف، هبيري، أو بدر الدين بخوش وهم على التوالي: مدير الموظفين والقضاء العسكري، ومدير المالية، ومدير الخدمات الاجتماعية.

وفي 1988 بعد أحداث أكتوبر كان دور إقصاء الجنرالات: مجدوب لكحل عياط ومحمد علاق، وعلي بوحجة، والهاشمي هجرس، وزين العابدين حشيشي، وآخرين.وفي 1989 بعد تعيين الجنرال خالد نزار في منصب رئيس أركان (ج.و.ش/ANP) (العضو البارز في زمرة بلخير، والمسؤول الرئيسي على القمع الدموي الذي ساد أحداث أكتوبر 1988 في العاصمة) تمت عملية تفريغ جديدة مست هذه المرة الجنرال عبد الله بلهوشات الذي أخذ نزار مكانه وكذلك نائبي رئيس الأركان الجنرالان: اليمين زروال، وكمال عبد الرحيم والجنرال عبد المجيد شريف، قائد سابق (ق.ق.بح/ CFN) وقائد الأكاديمية المتعددة الأسلحة في شرشال. وأخيرا في سنة 1990 كان دور الجنرال محمد عطايلية المفتش العام للجيش.وقد اقتُرحت على بعض هؤلاء المُبعدين مناصب شرفية مثل زروال وحشيشي اللذين عينا سفيرين في كل من رومانيا وبلغاريا، والجنرال الهاشمي هجرس الذي وجد نفسه عضو المكتب السياسي في (ج.ت.و/FLN)، وهو منصب شكلي بالنسبة لجنرال في ذلك الوزن، أما بعض العنودين فقد اشتُروا بقروض واعتمادات مالية لم تسدد أبدا مكنتهم من التحول إلى عالم الصفقات والأعمال! أما بالنسبة لكمال عبد الرحيم، وهو ذو شخصية قوية فقد انطلق لوحده دون دعم أو سند في مشروع لصناعة المحاقن. في فترة لا تتجاوز الثلاث سنوات سمح هذا التطهير الذي تم إجراؤه بمهارة فائقة "لضباط فرنسا" وحلفائهم أن يتخذوا موقعا وينصبوا أنفسهم ورجالهم المخلصين في أهم الوظائف والمناصب الحساسة في (ج.و.ش/ANP) وقيادة الأركان. وقد تكرس انتصارهم في 27 يوليو 1990 بتعيين الجنرال خالد نزار في منصب وزير الدفاع الوطني في حكومة مولود حمروش الذي لم يكن أمامه أي اختيار آخر غير القبول.

إنه ابتكار هام إذ أنه منذ انقلاب 19 جوان 1965 (حيث كان وقتها وزير الدفاع هواري بومدين، الذي أطاح بالرئيس احمد بن بلة) كانت هذه الحقيبة الاستراتيجية دائما بين يدي رئيس الجمهورية ذاته! وهكذا وبعد أن خلا الطريق تماما أمامها، أصبح قلب السلطة، أي الـ(أ.ع/SM)، في يد عصبة بلخير التي شرعت في إعادة تنظيمه كما يحلو لها.وبالفعل ففي 4 سبتمبر 1990 اختفت (م.ع.ت.أ/DGDS) بصفتها تلك، والتي كنت أتبع إليها، لكي تُدمج في (ق.إ.أ/DRS) الاسم الجديد للمصلحة المُوَحَدة، لم أكن واعيا بذلك حينها لكن دوامة العنف الشنيع كانت قد انطلقت! 2 الانحـرافـات الأولـى بعد انتصار (ج.إ.إ/FIS) في الانتخابات المحلية لجوان 1990 بدأ "جنرالات فرنسا" يحسون بالخطر الذي يهدد مصالحهم، فوجهوا إذن "مدراس" حقيقي لتهميش (ج.إ.إ/FIS) بعد أن تمكنوا من "تحرير" مركز القرار من الضباط المصنفين "عروبي إسلامي" (بسبب معيار وحيد هو اللغة) الذين كانوا يستطيعون أن يُفشلوا مخططاتهم الجهنمية، ويَحولوا دون تحقيق أغراضهم الدنيئة، ذاك هو السبب الذي جعل صيف 1990 يسجل تحولا حقيقيا في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال! سبتمبر 1990 تكوين قسم الاستخبارات والأمن (ق.إ.أ/DRS) الذراع العسكري للجنرالات "أصحاب القرار" بالنسـبة للثنائي (بلخير – نزار) فان إعـادة تنظـيم المصالح السرية للجيش تحت التسمية الجديدة وهي (ق.إ.أ/DRS) تستجيب أولا لانشغال عزل الرئيس الشاذلي بن جديد من أجل التغييرات التي كانا قد خططا لها. وماعدا التسمية الجديدة فالتغيير الوحيد الذي يستحق الذكر هو أن (ق.إ.أ/DRS) [الذي عهد به آنذاك إلى الجنرال محمد مدين المدعو "توفيق" الذي كان يرأس حينها (م.م.أ.ج/DCSA)] وضعت تحت سلطة وزير الدفاع الوطني، في حين كان جهاز الـ(أ.ع/SM) قبلها ملحقا برئاسة الجمهورية.

لقد كان هذا "التغيير الكلي" يهدف بالأساس إلى خداع الرئيس الشاذلي وقطع صلته بأية مصادر للمعلومات قد تأتي من سواهم! إن (ق.إ.أ/DRS) الجديد أصبح يشرف على ثلاث مديريات رئيسية (زيادة عن المديريات الملحقة مثل: الإدارة الوسائل،التصنتات التقنية.) فمديرية الجوسسة المضادة (م.ج.م/DCE)، والمديرية المركزية لأمن الجيش(م.م.أ.ج/DCSA) ومديرية التوثيق والأمن الخارجي هو تنظيم ما يزال ساريا حتى ساعة كتابة هذه السطور، والتي من الأهمية بمكان أن أفصل فيها الحديث لأنها هي التي ستصبح في قلب آلة الرعب التي ستنقض على بلدي لأكثر من عشر سنوات. فـ(م.ج.م/DCE)عُهّـدت للمقدم إسماعيل العماري المدعو"إسماعين" الذي جاء من (م.م.أ.ج/DCSA)، وهو من مواليد عين بسام، هذا الضابط صف القديم في البحرية الفرنسية قد عرج على الشرطة في سنوات الستينيات. بدون أي إشعاع أو نفوذ خاص، هذا الشخص الكارثة مدين بسيرته المهنية إلى الزبائنية التي كانت زراعته المفضلة الوحيدة في كل الفصول. من كان يسمع بالحديث عن هذا الشخص في سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات؟ مكلف بملف الشرق الأوسط من طرف الجنرال لكحل عياط في منتصف الثمانينيات، ثم تسلل في الخفاء، بمعاشرة إطارات مصالح (ج.م.ف/DST)، و"العملاء " الفلسطينيين، وبفضل هؤلاء اكتسب خبرة كبيرة في مجال التضليل وتشويه الأخبار والمؤامرات، والأعمال الدنيئة الخ.

وتحت حماية العربي بلخير كان منذ 1985 المخاطب المفضل لدى (ج.م.ف/DST) إلى درجة أن العديد من الضباط كانوا يشكون في أنه عميل لـ(ج.م.ف/DST)! المقدم كمال عبد الرحمان أخذ إدارة (م.م.أ.ج/DCSA)، هو من مواليد سور الغزلان، صف-ضابط قديم في الجيش الفرنسي، بما أنه كان ضمن "القوات المحلية" 19 في مارس 1962، فقد ظل مجرد مساعد بسيط في الأكاديمية المتعددة الأسلحة بشرشال حتى سنة 1974، ثم أصبح نقيبا أثناء أحداث أكتوبر 1988. حيث تشاء الأسطورة أن تجعل منه حينها شخصا ذا شأن، قام "بعمل بطولي" بتعريض حياته للخطر لإنقاذ "دبابة" هوجمت بكوكتال مولوطوف من طرف أحد المتظاهرين، وقد عرف بعدها صعودا مثل البرق بفضل حماية الجنرال توفيق الذي كان قد أعد له ملفا مورطا ليضمن ولاءه له! وعهدت أخيرا مديرية التوثيق والأمن الخارجي (م.ت.أ.خ/DDSE) إلى المقدم فضيل سعيدي المعروف بعبد الحميد، وهو رجل ذكي، في غاية البساطة، هذا الضابط القديم في جيش التحرير الوطني، من مواليد الميلية، كان قبلها مسؤول الاستخبارات العسكرية.

سيقتل في شهر جوان 1996 من طرف عصابة الجنرالات (انظر الفصل الثامن). لقد شرح لنا رؤساؤنا في مختلف الاجتماعات بان إعادة التنظيم هذه ليست إلا مرحلة نحو تحول مصالح الـ(أ.ع/SM)، استجابة لمتطلبات الانتقال إلى الديمقراطية. ورغم تعودنا على تغيير التسميات (هذه هي التسمية الرابعة خلال أقل من عشر سنوات) فإنه كان لدينا شعور بأن الأمر يتعلق بمناورة أخرى، وغيرها كثير، من أجل إسكات "المتفرجين" ودفع عربون للديمقراطيين الحقيقيين، وخاصة للسيد حسين آيت احمد، رئيس (ج.ق.إ/FFS)، الذي كان دائما يتخذ من تطويق "الشرطة السياسية " حصان المعركة المفضل لديه، زيادة على ذلك أن حضور الجنرال توفيق ("الرجل ذو السيجار" كما كنا نسميه فيما بيننا) أحد قدماء المؤسسة، وهو معروف بمقدرته وقوته في العمل، كان ذلك تأمينا لنا.

بكل تأكيد ستتغير الأمور، لأن الـ(أ.ع/SM) قد عانى طويلا من الصراعات الداخلية، ومن نقص كفاءة الجنرالين لكحل عياط ومحمد بتشين فيما يتعلق بعمل المخابرات، وكنا نعتبرهم بالأحرى "دخلاء" لكون اختصاصهم الأصلي لم يكن الـ(أ.ع/SM). غير أن الضباط الذين ابتهجوا لهذه التغييرات سرعان ما تخلصوا من أوهامهم، فابتداء من سبتمبر 1990، سيحرمون من أخذ عطلة نهاية الأسبوع، إذ كان يجب عليهم تغطية خطب الجمعة، وأن يكونوا حاضرين في كل مساجد العاصمة، الأمر الذي كان من المستحيل تحقيقه، ولذا وقع الاختيار على انتقاء الأكثر أهمية منها: مسجد السنة وكتشاوة في باب الواد، مسجد بن باديس بالقبة، مسجد الأرقم في حي شوفاليي، مسجد كابول في حي بلوزداد (بلكور) وكذلك مسجد المحمدية (لافيجري) ومسجد حي الجبل (لامونتان) بالحراش.

لقد دل ذلك على مدى الكره الشديد الذي يضمره مسؤولو الجيش للإسلاميين. بالنسبة لنا كان ذلك شيئا غير مفهوم تماما، لأنه حسب رأينا فإن الإسلاميين عموما و(ج.إ.إ/FIS) على وجه الخصوص، لا يمثلون بأي حال من الأحوال أي تهديد جدي، والسعي إلى أخذ السلطة عن طريق الانتخاب هو شيء عاد تماما ومشروع. فالخطب "النارية" التي كانت تلقى في بعض المساجد هي نتيجة إزالة الكبت، ورد الفعل على الرقابة والاضطهاد الذي كان السائد في الساحة أيام الحزب الواحد، وللتاريخ أذكر هنا أن قادة (ج.إ.إ/FIS) قد استجابوا أكثر من مرة (بمن فيهم علي بن حاج) "لأوامر" المسؤولين السياسيين والعسكريين لتلطيف حدة الأئمة المتشددين. فإذا مثلت (ج.إ.إ/FIS) تهديدا، فإن رئيس الدولة بما يتوفر لديه من أدوات قانونية يستطيع أن يمنعهم: فبإمكانه مثلا أن يلجأ إلى حل البرلمان أو طلب استفتاء ثان أو اقتراح تعديل الدستور. زيادة على ذلك أن مصالح الأمن كانت تستطيع أن تقاضي العناصر المتطرفة التي تتجاوز الإطار القانوني، أو الجمهوري، فالدستور واضح في هذه النقطة.

خارج القادة العسكريين الذين جعلوا من (ج.إ.إ/FIS) فزاعة أو بعبعا، فإن مجموع الضباط مثلي كان في تقديرهم أنه لا ينبغي التدخل إلا في حالة الضرورة القصوى وكانوا ضد تشجيع التدهور الذي قد يؤدي إلى مجابهة لم يكن لا الجيش ولا الشعب مهيأين لها، (على الأقل كان هذا رأينا في البداية، حيث قام المكتب السياسي بعد ذلك والقادة العسكريون بحملة "تعبئة" واسعة النطاق). لقد انتقل الجنرال نزار شخصيا مرتين مرفوقا بالجنرال توفيق إلى مدرسة الـ(أ.ع/SM) في بني مسوس، لعقد اجتماعات كان كلامه فيها متسما بالتخويف والتناقض في الوقت ذاته. ففي الوقت ذاته الذي كان يقول لنا " نحن مع (ج.ت.و/FLN)" كنا نتلقى التعليمات من العقيد إسماعيل العماري (الذي كان في نزاع مفتوح مع عبد الحميد مهري الأمين العام للحزب الوحيد سابقا) بالعمل على خلق الانقسام والشقاق بين "الشيوخ" الكبار للجبهة، والذين كانت تطلق عليهم الصحافة اسم "الديناصورات"، و"الذئاب الصغار" الممثلين بالموجة الجديدة من إطارات الحزب (كعلي بن فليس، وكريم يونس وعلي صديقي.)

في هذا الوقت شرع الثنائي بلخير- نزار في إعداد مخططهما لمعارضة (ج.إ.إ/FIS) والحد من اتساع رقعتها على الساحة، والتي وجد خطابها صدى واسعا في أوساط الجماهير الشعبية: لقد استعاد هذا الحزب بالفعل من جديد ولحسابه "مُثل نوفمبر" التي تخلى عنها النظام، مع الإلحاح على حقيقة أن ثورة 1954 قامت وسارت باسم الإسلام، مؤكدين على أن السلطة بتخليها عن العقيدة الإسلامية قد شجعت على الفساد والانحراف والظلم. في سنة 1990 لم يتم إحياء ذكرى اندلاع ثورة التحرير في الفاتح من نوفمبر بالحماسة المعهودة في السنوات السابقة. والأغلبية منا لم يبدُ عليها الانشغال بالتغييرات التي حولت طريقة معيشة المواطنين. كان بعض الضباط الحنينيون إلى الماضي يحرصون على تأكيد وجود هذا التحول: لقد كان بعيدا ذلك الزمن الماضي الذي كنا نعجب بالاستعراضات العسكرية، الدبابات، الطيران، المغاوير، المشاة الذين يستعرضون على الشوارع الرئيسية في المدن الكبرى حيث كل الناس يشعرون بفخر يعجز الإنسان عن وصفه!! دون الحديث عن المسيرة بالمشاعل وفتيات الاستعراض والإثنتي عشرة طلقة منتصف الليل والتي تبعث فينا ذكريات اندلاع ثورة نوفمبر 1954. الهدف رقم واحد لمصالح الأمن هو إسلاميو الـ(ج.إ.إ/FIS) كنا إذا في أول نوفمبر 1990، ولم نحتفل لإحياء ذكرى هذا التاريخ، لقد كنت حائرا بالنسبة للوضعية العامة، ولم أكن أجرؤ بعد على الحديث عن "انحراف".

قبل ذلك بيومين أو ثلاثة كان قد استدعاني المقدم إسماعيل العماري رئيس (م.ج.م/DCE) والذي أصبحت منذ ذاك تابعا له، وكنت برفقة الرائد عمار ڤطوشي مسؤول (م.ر.ع/CPO) 20 كي يطلعنا على التوجيهات "الجديدة" المقررة من القيادة العسكرية، موجها حديثه أولا إلي بصفتي مسؤول (م.ب.ت/SRA) قائلا لي:" ابتداء من الآن فالهدف رقم واحد للمصالح هم إسلاميو (ج.إ.إ/FIS)، لو يستولون على السلطة سيقطعون رأسنا، وأنتم كذلك ! سيفعلون تماما ما فعل الإيرانيون للصافاك (SAVAK)، يجب سد الطريق أمامهم بأي ثمن، إنها أوامر القيادة. " واستطرد قائلا: "ما هي الملفات التي بحوزتكم؟" أجبت بأن (ج.إ.إ/FIS) تُعامل من طرفنا مثل جميع الأحزاب المعتمدة من وزارة الداخلية، يعني نطبق التعليمات التي تلقيناها منذ عهد الجنرال بتشين، وتتعلق بمتابعة قادة الأحزاب السياسية، مراقبة اجتماعاتهم، أعمالهم في الميدان تأثيرهم في الجماهير، تحالفاتهم المحتملة مع تشكيلات أخرى، لم أذكر له إلا العموميات ولم يكن بإمكاني أن أقر له بأننا كنا "نلهو" كذلك باختراق الأحزاب الشرعية منذ 1989، كما هو الشأن مع (ج.ق.إ/FFS) لحسين آيت احمد (وهو العدو اللدود لرؤسائنا) (ت.م.ث.د/RCD) لسعيد سعدي، (ح.إ.د/PSD) لعبد الرحمان عجريد، أو (ح.و.ت.ن/PNSD) لرابح بن شريف.

بالفعل، فعلى الصعيد السياسي وبدون أن نترك عادتنا القديمة الموروثة عن الحزب الواحد فقد اتخذنا المبادرة دون مراعاة تسلسل الرتب، وتلقى الأوامر من رؤسائنا (حيث أنهم منحونا بطاقة بيضاء في ذلك) للاستقصاء والتحري إلى أقصى حد عن "الجمعيات ذات الطابع السياسي". لقد كنت راضيا عن عمل ضباطي وحتى رؤسائي (قبل مجيء الجنرال إسماعيل) كانوا جد راضين عن النتائج المحصلة ولم تبدر منهم أي شكوى. وبعدها اتجه إلى زميلي: " وأنت عمار؟" هذا الأخير أجاب " أنا ليس عندي أي شيء على الإطلاق، لقد خلفت لتوي النقيب عبد العزيز، ولم يترك أي ملف، هو رجل الجنرال بتشين ولا شك أنه كان يتحرى عليكم حضرات. " (وافتح قوسا هنا لأشير إلى أن الجنرال بتشين الذي كان يشك في إسماعيل بأنه عميل للمخابرات الفرنسية كان قد أبعده منذ فبراير سنة 1990، بل واقترح حتى طرده من الجيش قبل أن "يُستعاد" بواسطة الجنرال العربي بلخير.

في وقت (فقدان الحظوة) كان إسماعيل محل مراقبة من طرف عناصر مصلحة العمليات التي كان يقودها النقيب عبد العزيز، كل الضباط وضباط الصف الذين كانت لهم علاقة بهذه القضية وضعوا على الهامش من طرف الإدارة الجديدة). قال له إسماعيل:" هيئ نفسك سوف يكون عندك شغل كثير يا عمار". ثم التفت نحوي طالبا مني أن أعطيه تقويما عن الوضعية وكذلك الوسائل المادية والبشرية المطلوبة لإعادة تنظيم مصلحتي بغرض تمكينها من التكيف مع متطلبات العمل الجديد. لقد كانت مصلحة البحث التي أسيرها تضم حوالي أربعين ضابطا وعشرة ضباط صف، و(شخصان مدنيان مدمجان) ومجموعة من العملاء، كان مجموع هذه الإطارات موزعا على مستوى خمسة فروع: - الأمن الداخلي: معهود إلى النقيب سعيد لوراري (المدعو "سعود") والذي كان يهتم بالأحزاب السياسية، وبأعمال التخريب (وقتها لفظة "الإرهاب" لم تكن مستعملة بعد)، النشاطات السياسية بصفة عامة وخاصة على مستوى البلديات، لأننا رأينا أن المجالس الشعبية البلدية في الغالب كانت قد حازت عليها (ج.إ.إ/FIS) منذ جوان 1990.

- الجوسسة المضادة: معهود بها إلى النقيب مصطفى، والذي كان يهتم بالأجانب، بالبعثات وبالأشخاص الديبلوماسيين، والشركات الأجنبية، والمركز الثقافي الفرنسي.

- الوقاية الاقتصادية: معهود بها إلى النقيب فاروق شطيبي الذي كان يهتم بمكافحة الإجرام الاقتصادي ويطلق عليه مصطلح "التحسيس" (كناية عن مراقبة القطاع الاقتصادي من طرف إطارات الشركات، والذين يرفعون التقارير الشهرية عن مشاكل الصيانة، أو التوزيع، حالة معنويات المستخدمين، النشاط النقابي، المحرضين على الإضراب مثلا، الميولات السياسية للإطارات. الخ) وكذلك كل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية (نقابات، إضراب.) ضباط هذا الفرع هم الذين يقومون كذلك بتسيير "المساعدين في الأمن الوقائي" (كان يوجد منهم واحد في كل مؤسسة من مؤسسات الدولة، وزارات، منشآت عمومية، مؤسسات جامعية، فنادق.) وإقامة علاقات مع السلطات المحلية، إطارات الوزارات، البرلمانيين، الصحافيين، المحامين. الخ

- تحقيقات التقصي والتأهيل: معهود به إلى النقيب جمال.

- متابعة الصحافة: معهود به إلى النقيب دحمان بن دحمان بالنسبة للصحافة الناطقة بالعربية، وإلى النقيب عنتر للصحافة الناطقة بالفرنسية. بما أن التوجيهات الجديدة تتطلب إطارات ذوي خبرة وكفاءة، فقد أعلمت إسماعيل بفقدان التجربة بالنسبة للضباط المعينين في سبتمبر 1990 بفرع البحث والتحليل، الذين وجدوا صعوبة في الاندماج في البلديات، فمعظمهم كان قد أنهى تدريبه في يوليو ولم يكن لديهم عمليا أي اتصال بالميدان. ولدعم مصلحتي اتخذ رئيس (م.ج.م/DCE) قرارا باستدعاء الواحد وعشرين ضابطا، الذين كانوا معينين خارج العاصمة في إطار حركة صيف 1990. هذه المساعدة القيمة سهلت عملية البحث، بإعادة علاقات الإطارات القديمة بالعاملين معهم، وبمصادرهم لاستقصاء الأخبار والمعلومات. وقد وزع هؤلاء الضباط من جديد، بمعدل عنصر واحد في كل بلدية من بلديات العاصمة: يخلفون رئيس (م.ش.ب/APC) يراقبون نشاط (ج.إ.إ/FIS) في هذه البلديات التي كانت كلها مسيرة من طرف مناضليها.

ولقد كان المقدم إسماعيل يلح كذلك على أهمية تركيز كل الجهود على هذا الهدف حتى ولو دعا الأمر إلى "التخلي" عن نشاط الجوسسة المضادة والوقاية الاقتصادية، زد على ذلك أنه بعد وقت قصير ناداني المقدم رشيد لعلالي (المدعو "عطافي") مدير ديوان الجنرال مَدّين ليطلب مني أن أعطيه ملخصا عن نشاط "الوقاية الاقتصادية" وأن أسلم له بعض الملفات الاقتصادية "الحساسة" التي كنت منكبا على دراستها، كتلك المتعلقة (م.و.م.غ/ENAPAL)، والغرف التجارية. ملفان متفجران كنت قد تعرضت لذكرهما من قبل، واللذان أراد أن يستعملهما (ق.إ.أ/DRS) لزعزعة استقرار مولود حمروش الذي كان قد بدأ يهدد مصالح عصابة الجنرالات بإصلاحاته الاقتصادية، كما تلقيت الأمر كذلك بمتابعة نشاط ريمون لوزوم وهو يهودي جزائري كان يمسك متجرا للبصريات في شارع مراد ديدوش، ولقد تكفل بهذا الملف الملازم بلقاسم الذي توصل إلى تجنيد خدامة منزله التي كان يحصل منها على معلومات مفصلة عن تنقاله إلى فرنسا وتونس 21.

أما بالنسبة للرائد عمار ڤطوشي فقد تلقى الأوامر هو الآخر بوضع قائدي (ج.إ.إ/FIS)، عباسي مدني وعلي بن حاج، تحت المراقبة، وقد أعطى لهما اسمين مشفرين هما (رقم1) و(رقم2) كانا محل تتبع مستمر، وتصنت دائم على مكالماتهما الهاتفية. ومثلهما كذلك أعضاء قيادة الحزب الأكثر تأثيرا، كعلي جدي الذي كان معلما في مدرسة أشبال الثورة بالقليعة (الذي كان يعتبر وقتها الرقم الثالث في الـ"ج.إ.إ/FIS".)

وكذا يخلف شراطي، ونورالدين شيجارة وعبد القادر بوخمخم وآخرون. لقد كان النقيب جعفر خليفاتي وهو ضابط جدي، كفء، وتقي جدا (حتى أنه كان مشكوك فيه بأنه من المتعاطفين مع الإسلاميين في وقت من الأوقات. ) هو المكلف بنقل المكالمات وتلخيصها لمديرية المخابرات والأمن، وللترويح عليه، وتشجيعه على العمل الجاد ضد (ج.إ.إ/FIS) منحه العقيد إسماعيل شقة ببوزريعة. وبغرض وضع مشروع حربه ضد إسلاميي (ج.إ.إ/FIS) حيز التنفيذ أخبرني إسماعيل بوجوب التهيؤ لنقل مقر قسم البحث والتحليل من حديقة صوفيا (تقع بالقرب من دار البريد الكبير بالعاصمة من الناحية البحرية) إلى مركز عنتر الواقع بالقرب من حديقة الحيوانات، حيث يوجد (م.ر.ع/CPO)، وهذا الانتقال يعود إلى كون حديقة صوفيا لا توفر الضمانات اللازمة "للأمن" حسب قوله (وقد تم ذلك بالفعل بعد خمسة اشهر) وكنا وقتها في نوفمبر 1990 نتطلع إلى الديمقراطية، في الوقت الذي كان بعض القادة العسكريين يحضرون "لشن الحرب"." المصدر الوحيد للسلطة هو الله " أسبوع بعد هذا الحديث طلب مني رئيس (م.ج.م/DCE) العقيد إسماعيل أن "ألغم" مكتبا في حديقة صوفيا (بالكامرات والسماعات.)

لتسجيل لقاء مع مدير جريدة "لوجون انديبوندن" وقد حضّرت نفسي لاستقبال "شخصية" من الصحافة المستقلة، وكم كانت مفاجأتي كبيرة عندما وجدت نفسي قبالة "طفل" مهمل الهندام بدون أية قريحة، بمجرد أن خرج ضيفنا، وشريط الفيديو ما يزال بين يدي حرص العقيد إسماعيل على تذكيري بتعليمات القيادة العسكرية بجعل (ج.إ.إ/FIS) هدفا من أولى أولوياتها! لقد كان هذا الحزب السياسي بالنسبة إليه هو "حركة اجتماعية للاحتجاج، تستغل فقر وجهل الشعب، وتستعمل الدين لإضفاء الشرعية على خطابها، وجعله مقفزا للوصول إلى السلطة" ويضيف قوله:" إن المساجد أصبحت منابر للمتطرفين يوجهون منها نداءهم إلى القتل، ليست (ج.إ.إ/FIS) إلا نسخة ثانية من (ج.ت.و/FLN)، وستقفل الباب وتزيل التداول على السلطة، وتعيد إقامة الحزب الواحد من جديد ذلك أن الذي يعارض (ج.إ.إ/FIS) يوضع في خانة المعارضين لله! (أي يعتبر معارضا لله). ستُغرق (ج.إ.إ/FIS) البلد في دكتاتورية جديدة، بل في حرب أهلية إذا تركناهم يمرون، إنه التقهقر بأربعة عشر قرنا إلى الوراء ". الجزء الأول من تحليله بالنسبة لطبيعة تشكيلة (ج.إ.إ/FIS) بدا لي إلى حد ما صحيحا، ذلك أن الإسلاميين في ذلك الوقت كانوا يتميزون بالخطب النارية التي كان يلقيها علي بن حاج تناوبا كل جمعة (في مسجد بن باديس في القبة، والسنة في باب الوادي) والمسيرات الضخمة التي تضم عشرات الآلاف من المتعاطفين مع الجبهة. والتي كانت تنظم كل يوم خميس في الجزائر العاصمة، تشهد لهم بالقدرة على التجنيد والتي كانت تخيف الكثير من غير المقتنعين بهذا الحزب (كما أصبح هذا الاستعراض للقوة يمثل تهديدا حقيقيا لمصالح الطبقة الحاكمة) لقد اغتنم قادة (ج.إ.إ/FIS) ضعف السلطات، حتى قبل حرب الخليج الثانية، ليصعّدوا لهجة خطابهم العنيف، وكشاهد على ذلك نورد هذه الفقرة من مقابلة كان قد أجراها علي بن حاج مع صحيفة "لوريزون" ونشرت يوم 23 فبراير 1989 حيث يقول فيها حرفيا:" إن التعددية الحزبية غير مقبولة، بسبب كونها صادرة عن تصور غربي، فلو يعبر الشيوعيون والبربر مثلما يعبر الآخرون أيضا، لأصبح بلدنا ميدانا للمواجهة بين مختلف الإيديولوجيات المتناقضة والمتعارضة مع دين شعبنا – لا توجد ديمقراطية لأن المصدر الوحيد للسلطة هو الله من خلال نص القرآن، وليس من خلال الشعب فإذا انتخب الشعب ضد شريعة الله فهذا لا يعني سوى الكفر الصّراح، وفي هذه الحالة يجب قتل هؤلاء الكفرة لأنهم بذلك يريدون أن يستبدلوا قانونهم وسلطتهم بشريعة الله وسنته".

أو كذلك هذا الاستجواب الآخر لعباسي مدني الذي أجرته معه " الجزائر الأحداث" في عددها الصادر يوم 24/12/1989 الذي جاء فيه قوله:" إذا كانت الديمقراطية إطارا للحوار واحترام الرأي فنحن متفقون مع هذا المفهوم، بيد أنه وعلى العكس من ذلك، فإننا لا نقبل أن يصبح المنتخبون متناقضين مع الإسلام وشريعته وقيمه". ابتداء من صيف 1990، وفي المناخ الدولي الذي أحدثه غزو العراق للكويت صعد التوتر إلى درجة أعلى، فالـ(ج.إ.إ/FIS) التي وقفت مع صدام حسين آخذت على القادة الجزائريين تقاعسهم في مساندة العراقيين، وأدانوا بشدة النظام الذي كانوا يتهمونه "بالعلمانية" و"التخلي عن الإسلام".

ورغم هذا في نظري، فإن الوضعية لم تكن بتلك الدرجة من الخطورة التي كانت تدعيها (م.ج.م/DCE)، حتى ولو أن الديمقراطية كانت في حالة تلجلج! صحيح أن (ج.إ.إ/FIS) نجحت في الانتخابات البلدية والولائية بستة أشهر قبل ذلك، لكن كنت أرى مثل الكثير في هذا الانتصار بأنه تعبير عن إرادة عميقة لدى الجزائريين في إجراء القطيعة مع النظام أكثر مما هو رغبة في أي "استبداد إسلامي". وهو الشيء الذي لم يفهمه الجنرالات، وخاصة أنهم لم يهضموه على الإطلاق ! إن الذي صدمني في كلام إسماعيل هو أنه في أول مرة يذكر مسؤول في (ج.و.ش/ANP) أمامي عبارة "الحرب الأهلية" التي كانت في ذلك الوقت مجهولة الاستعمال تماما في اصطلاحاتنا المتداولة. لا جدال في أن هناك نساء قد استهدفن ببعض المعاملات الخاصة لمحاولة تطبيق الشريعة.

كما أن بعض مناضلي (ج.إ.إ/FIS) كانوا يكثرون الاستفزاز والإثارة وأن بعض الخطب لم تكن مستساغة من طرف كل الجزائريين، ولكنا كنا بعيدين جدا عن التفكير بأن نكبة بهذا المستوى الكارثي المروع كانت تختمر وتتفاعل في الأعماق تحت سطح البلاد وأرجل العباد! مناشير إسلامية مـزورة! لمعارضة فعالية (ج.إ.إ/FIS)، والحد من امتدادها المخيف كنا نستغل الشقاقات القائمة داخلها باللجوء إلى الصحافة "المستقلة" لتحسيس الرأي العام بخطر التهديد الإسلامي. ولكون (ج.إ.إ/FIS) في الحقيقة هي عبارة عن سديم مشكل من عدة تيارات ومشارب تتراوح مواقفها من أدنى الاعتدال إلى أقصى التطرف، أكثر مما هي كتلة متجانسة، ومتراصة اللبنات. فقد كانت الاختلافات دائما على أشدها بين عناصرها، مما سهل علينا استغلال تلك الأقوال المتشددة لبعض قادتها، وممارسة الخلط المتعمد في هذا الخصوص بقصد التهويل وتشجيع المثقفين على إدانة التطرف الإسلامي.

غير أن هذا كله قد بدا وكأنه غير كاف في نظر رؤسائنا الذين ما فتئوا يطلبون منا "المزيد" !! وما يجب التذكير به هنا هو أن هذه الفترة قد عرفت أيضا ظهور طائفة أو جماعة التكفير والهجرة، وهي عبارة عن تنظيم صغير متطرف لا تربطه أية صلة بـ(ج.إ.إ/FIS) (وسأعود إلى هذا الموضوع فيما بعد)، إن هذه الجماعة القليلة العدد، والتي ليس لأفكارها المتطرفة أية علاقة بتقاليدنا العريقة، والراسخة القدم، كانت تتكون بوجه خاص من مناضلين إسلاميين ذهبوا إلى جهاد السوفيات في أفغانستان(والذين نطلق عليهم اسم "الأفغان") أعلنوا أنفسهم كتيار "سلفي" 22 عقيدتهم المذهبية تصل حتى الترخيص بقتل الوالدين أو الاخوة الذين لا يلتزمون بتطبيق المبادئ الإسلامية.

كانت هذه الجماعة تنتشر بعض الشيء، ولكنه ليس إلى الحد الذي يمكن اعتباره تهديدا خطيرا، فبتحسيس جيد لمسؤولي الأحزاب الإسلامية، والمزيد من التدابير الصارمة، كان بإمكان مصالح الأمن بالتعاون مع العدالة أن يقضوا على هذه الآفة الطائفية ويستأصلوا شأفتها من الوجود كليا. لكن للأسف ! فإن هذا النوع من التدابير لم يكن ينطبق أو يتماشى مع برامج ومخططات الجنرالات ! ففي ذلك الوقت بالذات، كان بعض عناصر (م.ج.م/DCE) منكبين على إعادة تأسيس وبعث الحركة الإسلامية المسلحة (ح.إ.م/MIA2) من العدم، وهي منظمة كانت قد فككت تماما قبل ذلك بسنوات(وسأعود إلى هذا الموضوع في الفصل التالي). لقد كان الجنرالات في الحقيقة يريدون أن يستخدموا (ق.إ.أ/DRS) "لصب الزيت على النار" قصد إعطاء الانطباع للرأي العام بأن (ج.إ.إ/FIS) بكاملها تسعى إلى فرض نظام حكم استبدادي بالقوة.

وهكذا، فقد تكلف ضباطي بتوزيع المنشورات على الصحفيين والجمعيات النسوية، وتعليق البيانات داخل المساجد، وإلصاقها على الجدران في الأحياء الجامعية في بوزريعة، دالي براهيم، ميادين جامعات باب الزوار والجامعة المركزية. لقد كانت هذه المناشير والبلاغات والبيانات التي تحمل إمضاء (ج.إ.إ/FIS) كلها تحرر من طرف النقيب جعفر خليفاتي، وقد كانت تلك الفتاوى المزعومة (المنسوبة زورا وبهتانا إلى الجبهة الإسلامية) المذاعة بواسطة البلاغات الكاذبة الموجهة من (م.ج.م/DCE) تدعو "اخوة الإيمان" في كل مكان إلى ضرورة التخلص من الطاغوت المتسلط على رقاب العباد، وإلى رفض الديمقراطية "الغريبة المنحطة، والمنحلة أخلاقيا" وقد كانت تلك المناشير في الغالب تدعو إلى الجهاد وإلى العصيان، أو رفع السلاح ضد النظام إذا لم يحترم قانون الانتخابات والإرادة الشعبية، كما كانت تطالب كذلك بفتح معسكرات التدريب لمناضلي (ج.إ.إ/FIS) الذين يرغبون في الذهاب إلى المشاركة في الحرب إلى جانب القوات العراقية أثناء حرب الخليج، وإقامة نظام حكم ديني لتطبيق الشريعة الإسلامية.

إن الهدف المتوخى في الأساس من هذه المناشير والبلاغات المزيفة هو المزايدة المنتظمة على تلك البلاغات الحقيقية التي كانت تصدر عن (ج.إ.إ/FIS)، (والتي كانت هي أصلا متطرفة) لقد كان هدفها إحداث الشقاق في صفوف القادة الإسلاميين، وبصفة خاصة إثارة الخلاف والنزاع بين عباسي مدني وعلي بن حاج، لدفع كل واحد منهما إلى الشك في الآخر واتهامه بتحرير البيانات دون التشاور والاتفاق المسبق، وابتداء من يناير 1991، بدأت العديد من هذه البيانات المنسوبة إلى (ج.إ.إ/FIS) تقرأ حتى خلال نشرات أخبار التلفزيون على الساعة الثامنة مساء، وهذا زرع الشكوك في صفوف مناضلي الجبهة الإسلامية، ولا جدال في أن (ق.إ.أ/DRS) قد أصاب الأهداف المسطرة! فالقادة الإسلاميون الذين لم يكونوا في الأصل يشكلون تنظيما متجانسا في عناصره ومتراصا في بنيانه،اصبحوا غير قادرين على مواجهة هذه المخططات، مساهمين بذلك في إعطاء المصداقية للخلط بينهم وبين المتطرفين، مع أنهم كانوا في الحقيقة يعتبرونهم أعداء. فمنذ ذلك الوقت كان الهدف واضحا بالنسبة لرؤسائنا، تصيير (ج.إ.إ/FIS) شيطانا وتهويل أمرها بجعل هذا الحزب "بعبعا" مرعبا قصد تكوين "جبهة" مدنية ضده، وإضفاء طابع الشرعية على تدخل الجيش للقضاء عليه فيما بعد.يعة للسلطة).

--------------------------------------------------------------------------------

1 ) إيف بوني Yves BONNET، مذكرات قائد من جهاز الاستخبارات الفرنسي(DST) ، كالمان ليفي Calmann-Lévy، باريس 2000.

2 ) نفس المرجع ص 320

3 ) نفس المرجع السابق ص 339

4 ) برودانسيو غارسيا، El Drama de la autonomia militar، دراما الحكم الذاتي العسكري، منشورات أليناسا، مدريد، 1995، هذا الكتاب الملفت للنظر لضابط إسباني متقاعد، خُصص لسلوك قوات الجيش الأرجنتيني تحت ظل ديكتاتورية الجنرال يورغ رافائيل فيدلا Jorg Rafael Videla (1976-1983)، نموذج قمعي مستوحى مباشرة من تقنيات الجيش الفرنسي إبان حرب التحرير الجزائرية (1954-1962) وهو نفس النموذج الذي استلهمه جنرالات الجزائر لـ(سنوات الدم) منذ 1992.

5 ) إن الـ(أ.ع/SM) منحدر من (المالڤ/MALG) مصالح الاستخبارات لـ(ج.ت.و/FLN) والذي حُل سنة 1962 غداة الاستقلال؛ حاضرا كليا منذ ذلك الوقت داخل كامل دواليب الدولة والحزب (إبان فترة الحزب الواحد والذي كان يخدمه كشرطة سياسية)، لقد أعيدت هيكلة الأمن العسكري سنة 1980 تحت اسم (م.م.أ.ع/DCSM) المديرية المركزية للأمن العسكري، والتي تركت مكانها سنة 1983 للـ (م.ع.و.أ/DGPS) المندوبية العامة للوقاية والأمن التابعة لرئاسة الجمهورية، والتي غُيرت بدورها بعد "موجة" الديمقراطية لأكتوبر1988، بالـ(م.ع.ت.أ/DGDS) المندوبية العامة للتوثيق والأمن التابعة دائما لرئاسة الجمهورية وليس لوزارة الدفاع الوطني، ولقد حُلت (م.ع.ت.أ/DGDS) رسميا في جوان 1990 بدون أن يلحق ذلك أي تأثير على عناصرها، فعاليتها ووسائلها، وفي سبتمبر 1990 (وسأعود إلى هذا) أصبح الأمن العسكري (ق.إ.أ/DRS) قسم الاستخبارات والأمن، موضوعا تحت إمرة الجنرال محمد مدين المدعو "توفيق"، وبالرغم من مرور الزمن وتعاقب الأجيال والتغيرات الطارئة على التسمية إلا أن اسم الأمن العسكري (أ.ع/SM) ما يزال دائما متداولا، لأنه ينتمي إلى اللاشعور للإطارات والمواطنين، مسجلا بسنوات من الرعب والقمع.

6 ) ديلي براس بريفينغ Daily Press Briefing ، أنجزه مكتب المتحدثين Office of the Spokeman، لإدارة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، 6 يناير 1998.

7 ) إبان كل فترة "الحرب الجزائرية الثانية" وإلى يومنا هذا، لعبت هذه المصلحة دورا رئيسيا في تشويه المعلومات، كانت تسمى "مصلحة الصحافة والتوثيق"، ثم أصبحت في يناير 1993 "مصلحة العمل النفساني" يقودها العقيد جيلالي مراو المدعو "صالح" ثم العقيد المشؤوم طاهر زبير المدعو "الحاج" (هذا الأخير عوض بالعقيد فوزي نهاية 2001).

8 ) هذا المصطلح المستعمل في الشارع العاصمي للإشارة إلى المجالس المعينة وسكان إقامات الدولة لأصحاب السلطة ( كالمكان المعروف بنادي الصنوبر) وهو يشير إلى النظام الذي أقامته فرنسا الاستعمارية سنة 1947، القاضي بإنشاء هيئة ناخبين من "الدرجة الثانية"، مخصص للأعيان "الأهليين"، وبلا شك فإن أصحاب "الدرجة الأولى" كانوا هم المستعمرين الفرنسيين (حيث يحتسب صوت الواحد منهم بعشرة أمثاله من "الأهليين" )

9) حبيب سوايدية، الحرب القذرة La Sale Guerre، "لا ديكوفارت La Découverte" باريس 2001، لقد خسر الجنرال نزار قضية القذف تلك. النص الكامل لوقائع هذه المحاكمة التي دامت أكثر من خمسة أيام، نشرته "لا ديكوفارت La Découverte "؛ بعنوان حبيب سوايدية، محاكمة "الحرب القذرة" "La Sale Guerre" Le Pocès de، باريس 2002.

10 ) حبيب سوايدية محاكمة "الحرب القذرة" نفس المرجع السابق ص 245.

11 ) أُنشأت بهذه المناسبة القوات الجوية، القوات البحرية، والقوات البرية، كانت وحداتهم تابعة نظاميا لكل رئيس ناحية عسكرية، ولكنها لا تستمد أوامرها العملياتية إلا من رئيس قيادة أركان (ج.و.ش/ANP)، وهكذا فلم يكن بإمكان رئيس ناحية أن يعطي أوامر لوحدات من (ج.و.ش) للسير نحو العاصمة، كان الأمر يتعلق فعلا بمراقبة مزدوجة: الأولى على مستوى الناحية حيث توجد وحدات القتال، والأخرى على مستوى مقر العمليات.

12 ) بعد إعادة هيكلة (ج.و.ش/ANP)، كان جهاز الـ(أ.ع/SM) يعتبر بحق أحد ألوية الجيش تماما مثل البحرية، الطيران، المدرعات، المدفعية، المشاة، الصحة، ولكن بدون أن تكون له إشارة خاصة به .

13 ) عابد شارف، الجزائر 88، شغب صبيان، ? un chahut de gamins ، Laphomic ، الجزائر 1990، Octobre, ils parlent, ouvrage conçu par sid Ahmed Semiane منشورات لوماتن، الجزائر 1998، أنظر كذلك حبيب سوايدية (محاكمة "الحرب القذرة" ) .مرجع سبق ذكره ص.491.

14 ) كان هذا الشخص وإسمه الحقيقي عبد الله خالف، مسؤول الأمن العسكري إبان رئاسة بومدين، عزل من الـ(ج.و.ش/ANP) في يناير 1982، وذلك بعد فترة وجيزة كنائب وزير الدفاع مكلف بالصناعات الحربية، تولى حقيبة وزير الصناعات الثقيلة من 1982 إلى 1984 في حكومة محمد بن أحمد عبد الغني ثم حقيبة الفلاحة والصيد من 1984 إلى 1986 في حكومة عبد الحميد براهيمي وفي 1989 أسس حزبه السياسي (ح.ج.ع.ت/MAJD).

15 ) استرجع هذا الأخير فيما بعد من طرف المقدم إسماعيل العماري (المدعو "إسماعين" شخص أساسي، ستكون لي فرصة التطرق إليه وذكره مرارا فيما بعد) الذي كان سيقترحه لمنصب رئيس دائرة في إحدى ولايات الجنوب سنة 1991، تلك هي كيفية تطور الزبائنية في جزائر العصب الاجرامية، نقيب مطرود من صفوف (ج.و.ش/ANP) بسبب عدم الكفاءة سيجد نفسه رئيسا لدائرة!

16) المحاربين القدامى في ثورة التحرير، بعض مسؤولي منظمة قدماء المجاهدين يشكلون مجموعة ضغط اقتصادي قوي في قلب نظام السلطة الجزائرية!

17 ) لقد أسفرت أول انتخابات نزيهة في تاريخ البلاد على فوز ساحق لمرشحي (ج.إ.إ/FIS): حيث حاز هذا الحزب على 4331472 صوت (ما يعادل 54.25 % من الأصوات المعبر عنها، ونال 45.6 % من المجالس الشعبية البلدية و55% من المجالس الشعبية الولائية.

18) هذه البنية التابعة للأمن العسكري أنشئت في 1987، على شاكلة الوحدات المضادة للألوية الحمراء الإيطالية، أو الـ(GIGN) الفرنسي، كانت مهمتها الأولى (هجومية) (تحرير الرهائن، الاقتحام.) وكانت مكونة من 300 رجل تقريبا، وعند ملاحظة الرئيس العدد غداة توقيع مرسوم إنشاء الهيكل (م.ت.خ/GIS)، تلفظ بكلام يشبه النبوءة قالا "لماذا كل هذا العدد؟ أتريدون أن تقوموا بانقلاب أم ماذا؟" لقد أتاحت الفرصة للرائد مصطفى غمري مع أنه رئيس (م.ت.خ/GIS) ما بين 1988 و1989 أن يطلعني عن عدم فهمه فيما يخص جدوى هذه التركيبة : كانت تقوم بعمل مزدوج مع (م.ت.س/GIR) للدرك الوطني، ووحدات التدخل للـ(م.ع.أ.و/DGSN)، وبخلق هذه البنية المضادة للإرهاب بالرغم من أنه لم يكن هناك إرهاب في تلك الحقبة، كان الجنرالات الاستشرافيون يعدون وبلا شك كل الأسلاك للحرب.

19 ) أنشأت هذه "القوة المحلية" في نهاية حرب التحرير مارس 1962 طبقا لمعاهدات إيفيان ووضعت من طرف الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كقوة توسط، من أجل احترام سير عملية وقف القتال بين جيش التحرير الوطني والجيش الفرنسي، مجندة لذلك كثيرا من الجزائريين الملتحقين في آخر لحظة بمعسكر الاستقلال، والذين أطلق عليهم اسم (المارسيين) نسبة إلى شهر مارس.

20 ) (م.ق.ع/PCO) المركز القيادي للعمليات، كما يوجد هذا في كل المصالح السرية في العالم، كان الـ(م.ق.ع/PCO) وحدة من وحدات (ق.إ.أ/DRS) مكلف بالعمليات غير الشرعية، مراقبة، تتبع، تفتيش سري، توقيفات، خطف، استنطاقات، وضع أجهزة التنصت، شهادات الزور.الخ، ففي مركز عنتر ببن عكنون كان مقر الـ(م.ق.ع/PCO) ومن هناك كانت تصدر البيانات المنسوبة لـ(ج.إ.إ/FIS) منذ يناير1991.

21 ) في شهر جانفي 1994، بينما كنت أشغل منصبا في ألمانيا، علمت بأن ريمون لوزوم قد قتل من طرف الإسلاميين على حد تعبير الصحافة، بالرغم من أنه لم تكن توجد هناك أدلة، حينها راودني الإحساس (وذلك لمعرفتي باستهتار مسؤولي (ق.إ.أ/DRS) بأن هذا الاغتيال -غير المتبنى- يتماشى أكثر مع أغراضهم لنصب العداوة بين الجماعة اليهودية والإسلاميين، وقطع الدعم الدولي المحتمل (خاصة الولايات المتحدة الأمريكية) لصالح أنصار الدولة الإسلامية.

22 ) إن التيار السلفي يدعو إلى الإسلام السياسي (الدولي) المحافظ، وهو متعارض مع تيار "الجزأرة" العصري الخاص بالجزائر.